بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
وبعد: فقد أثَرْتُ في الصفحة فكرة أنه يجوز لغير الله أن يدبر الأمر إشارة لقوله تعالى ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴾ وهي في مقدمة سورة النازعات، وهي آية محكمة في نسبة تدبير الأمر والذي من معانيه التصريف، وهذه الآية محكمة لا يتخللها النسخ لأن النسخ لا يكون إلا في الأحكام.
وقد اتفق أهل العلم قاطبة أن المقصود بها غير ذات الله سبحانه وتعالى، مع أن الله تعالى قال في موضع آخر من القرآن الكريم { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ } وقال { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } وقال { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ }.
ومع كل هذا فإنه لم يفسر أحد من العلماء قوله تعالى: { فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا } بأن المعني هو الله سبحانه وتعالى، بل المقصود غيره من أفراد هذا الكون الذين يكل إليهم في بعض الأحيان تدبير بعض الأمور.
وقد اختُلف في تفسير المقصود من هذه اللفظة مع أن كل التفاسير المبثوثة في كتب التفسير لا تعدو أن تكون اجتهادا، وليست مبنية على رواية سندها مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، يقول الإمام الفخر الرازي رحمه الله:" وَاعْلَمْ أَنَّ الْوُجُوهَ الْمَنْقُولَةَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ غَيْرُ مَنْقُولَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصًّا، حَتَّى لَا يُمْكِنَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، بَلْ إِنَّمَا ذَكَرُوهَا لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُحْتَمِلًا لَهَا، فَإِذَا كَانَ احْتِمَالُ اللَّفْظِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ دُونَ احْتِمَالِهِ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوهَا لَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرُوهُ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرْنَاهُ ".
والذي تقتضيه قواعد البلاغة ورشاقة البيان في القرآن الكريم تتبع أسمى الطرق البلاغية في الخطاب، ومن تلك القواعد أن العطف إن كان بالواو فإنه يقتضي أن يكون المعطوف صفات مستقلة لذوات متعددة، أما إن كان بالفاء فيقتضي أن يكون المعطوف صفات متعددة لذات متحدة. وما جاء بخلاف ذلك فهو خلاف الأصل مثل قول الشاعر أنشده الفراء.
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
أراد صفات ممدوح واحد.
وعلى هذا، إن ثبت أن معنى { وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا } للملائكة كما فسر به جل المفسرين، كان معنى قول تعالى ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْر قال غير الملائكة قطعا، وقد أشار لهذه القاعدة الإمام طاهر بن عاشور في تفسيره عند هذه الآية " وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ غَالِبُ الِاسْتِعْمَالِ أَنَّ الْمُتَعَاطِفَاتِ بِالْوَاوِ صِفَاتٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِمَوْصُوفَاتٍ مُخْتَلِفَةِ أَنْوَاعٍ أَوْ أَصْنَافٍ، أَوْ لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ لَهُ أَحْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَأَنَّ الْمَعْطُوفَاتِ بِالْفَاءِ صِفَاتٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَنِ الْوَصْفِ الَّذِي عُطِفَتْ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ، فَهِيَ صِفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَفَرِّعٌ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ قَسَمًا بِتِلْكَ الْأَحْوَالِ الْعَظِيمَةِ بِاعْتِبَارِ مَوْصُوفَاتِهَا.
وَلِلسَّلَفِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَقْوَالٌ فِي تَعْيِينِ مَوْصُوفَاتِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَفِي تَفْسِيرِ مَعَانِي الْأَوْصَافِ. وَأَحْسَنُ الْوُجُوهِ عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِمَّا عُطِفَ بِالْوَاوِ مُرَادًا بِهَا مَوْصُوفٌ غَيْرُ الْمُرَادِ بِمَوْصُوفِ الصِّفَةِ الْأُخْرَى، وَأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ عُطِفَتْ بِالْفَاءِ أَنْ تَكُونَ حَالَةً أُخْرَى لِلْمَوْصُوفِ الْمَعْطُوفِ بِالْوَاوِ كَمَا تقدم."
وايضا من قواعد اللغوية أن اللفظ على عمومه الأصل فيه أن ينسحب على كل مفرداته إلا إذا جاء دليل يحدد بعض أفراده، وهذه القاعدة يمكن سحبها على الصفات اللاتي في أوائل سورة النازعات.
و قد انقدحت هذه القاعدة في ذهن شيخ المفسرين وإمام اللغويين الإمام ابن جرير الطبري فقال " ولذا قال الصواب عندي أن يقال إنه تعالى أقسم بالنازعات غرقا، ولم يخصص نازعة دون نازعة. فكل نازعة غرقا، فداخلة في قسمه ملكا أو نجما أو قوسا أو غير ذلك. وكذا عم القسم بجميع الناشطات من موضع إلى موضع. فكل ناشط فداخل فيما أقسم به، إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها، بأن المعنى بالقسم من ذلك، بعض دون بعض. وهكذا في البقية."
وعقبه الإمام النحاس وهو إمام البلاغيين في قوله" وكلامه رحمه الله متجه للغاية. إذ فيه إبقاء اللفظ على شموله، وهو أعم فائدة وعدم التكلف للتخصيص بلا قاطع. وإن كانت القرائن واستعمال موادها في مثلها وشواهدها، مما قد يخصص الصيغ. إلا أن التنزيل الكريم يتوقّى في التسرّع فيه ما لا يتوقى في غيره."
إن هذا التقعيد يجيز لنا بدون أي حرج أن نفسر قول الله تعالى ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴾، بأنه يمكن أن يدخل فيها الصالحون الذين بلغوا رتبة من الصلاح مكنتهم لأن يسند لهم التصرف وفق ما يريدون، في بعض الأمور، وهذا هو الذي رجحه الإمام الرازي في تفسيره فقال " ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْأَرْوَاحَ الشَّرِيفَةَ الْعَالِيَةَ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَا يَكُونُ لِقُوَّتِهَا وَشَرَفِهَا يَظْهَرُ مِنْهَا آثَارٌ فِي أَحْوَالِ هَذَا الْعَالَمِ فَهِيَ فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً أَلَيْسَ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَرَى أُسْتَاذَهُ فِي الْمَنَامِ وَيَسْأَلُهُ عَنْ مُشْكِلَةٍ فَيُرْشِدُهُ إِلَيْهَا؟ أَلَيْسَ أَنَّ الِابْنَ قَدْ يَرَى أَبَاهُ فِي الْمَنَامِ فَيَهْدِيهِ إِلَى كَنْزٍ مَدْفُونٍ؟ أَلَيْسَ أَنَّ جَالِينُوسَ قَالَ: كُنْتُ مَرِيضًا فَعَجَزْتُ عَنْ عِلَاجِ نَفْسِي فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ وَاحِدًا أَرْشَدَنِي إِلَى كَيْفِيَّةِ الْعِلَاجِ؟ أَلَيْسَ أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ: إِنَّ الْأَرْوَاحَ الشَّرِيفَةَ إِذَا فَارَقَتْ أَبْدَانَهَا، ثُمَّ اتَّفَقَ إِنْسَانٌ مُشَابِهٌ لِلْإِنْسَانِ الْأَوَّلِ فِي الرُّوحِ وَالْبَدَنِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ الْمُفَارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذَا الْبَدَنِ حَتَّى تَصِيرَ كَالْمُعَاوِنَةِ لِلنَّفْسِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ الْبَدَنِ عَلَى أَعْمَالِ الْخَيْرِ فَتُسَمَّى تِلْكَ الْمُعَاوَنَةُ إِلْهَامًا؟ وَنَظِيرُهُ فِي جَانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وَسْوَسَةٌ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَنْقُولَةً عَنِ الْمُفَسِّرِينَ إِلَّا أَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهَا جِدًّا."
ولا يفوتك قوله محتمل جدا؛ إن هذا الفهم لا مانع منه كما يدل عليه ظواهر النصوص الشرعية من القرآن الكريم ومنها :
ـــ قوله تعالى {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ وحصر هذا العطاء لسليمان لا دليل عليه، لأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل قطعي، كما هو معلوم بالضرورة.
ــــ ومنه قوله تعالى﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾، فهذا تدبير من عيسى عليه السلام لكنه محصور بإذن الله، فمالمانع أن يهب الله تعالى عبدا من عباده ذلك تصريفا بإذنه. إن الله على كل شيء قدير.
ـــــ قوله تعالى﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾، والآية في حق ذي القرنين، وهو على الصحيح ليس نبيا وهذا التمكين هو عين التصريف الذي يقصده الصوفية.
أما الأحاديث فمنها :
ـــ مافي صحيح البخاري عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ.
وهذا صريح في إثبات معنى التصريف عند الصوفية، إذ من كان الله سمعه وبصره ويده ورجله، كيف يكون مثل غيره، من أهل جنسه.
فبان أن هذا هو التفسير الذي إن لم يكن الأرجح عند البعض ، فإن قواعد اللغة ونصوص الشرع لا ينقضانه وكفى بهما حجة .
وقد فسرت الأوصاف المذكورة في الاية بأنها الملائكة كما ذهب إلى ذلك كثير من المفسرين، وفسرت أيضا بالنجوم وفسرت أن هذه صفاة الغزاة، وفسرت بالمراتب الواقعة في رجوع القلب من غير الله تعالى إلى الله.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق