04 أغسطس 2011

صفة أولياء الله وشرح أحوالهم ( الذين آمنوا وكانوا يتقون )

 الذين آمنوا وكانوا يتقون ) ففيه ثلاثة أوجه : 

الأول : النصب بكونه صفة للأولياء . 

والثاني : النصب على المدح . 

والثالث : الرفع على الابتداء وخبره لهم البشرى . 

وأما قوله تعالى : ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ففيه أقوال : 

الأول : المراد منه الرؤيا الصالحة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه قال : " البشرى هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له "وعنه عليه الصلاة والسلام : " ذهبت النبوة وبقيت المبشرات وعنه عليه الصلاة والسلام : " الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم من الشيطان ، فإذا حلم أحدكم حلما يخافه فليتعوذ منه وليبصق عن شماله ثلاث مرات فإنه لا يضره وعنه - صلى الله عليه وسلم - : " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة وعن ابن مسعود الرؤيا ثلاثة : الهم يهم به الرجل من النهار فيراه في الليل ، وحضور الشيطان ، والرؤيا التي هي الرؤيا الصادقة 

وعن إبراهيم الرؤيا ثلاثة : فالمبشرة من الله جزء من سبعين جزءا من النبوة ، والشيء يهم به أحدكم بالنهار فلعله يراه بالليل ، والتخويف من الشيطان ، فإذا رأى أحدكم ما يحزنه فليقل : أعوذ بما عاذت به ملائكة الله من شر رؤياي التي رأيتها أن تضرني في دنياي أو في آخرتي . 

واعلم أنا إذا حملنا قوله : ( لهم البشرى على الرؤيا الصادقة فظاهر هذا النص يقتضي أن لا تحصل هذه الحالة إلا لهم ، والعقل أيضا يدل عليه ، وذلك لأن ولي الله هو الذي يكون مستغرق القلب والروح بذكر الله ، ومن كان كذلك فهو عند النوم لا يبقى في روحه إلا معرفة الله ، ومن المعلوم أن معرفة الله ونور جلال الله لا يفيده إلا الحق والصدق ، وأما من يكون متوزع الفكر على أحوال هذا العالم الكدر المظلم ، فإنه إذا نام يبقى كذلك ، فلا جرم لا اعتماد على رؤياه ، فلهذا السبب قال : ( لهم البشرى في الحياة الدنيا على سبيل الحصر والتخصيص . 

القول الثاني : في تفسير البشرى ، أنها عبارة عن محبة الناس له وعن ذكرهم إياه بالثناء الحسن ; عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس ! فقال : " تلك عاجل بشرى المؤمن " 

واعلم أن المباحث العقلية تقوي هذا المعنى ، وذلك أن الكمال محبوب لذاته لا لغيره ، وكل من اتصف بصفة من صفات الكمال ، صار محبوبا لكل أحد ، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله ، مستغرق اللسان بذكر الله ، مستغرق الجوارح والأعضاء بعبودية الله ، فإذا ظهر عليه أمر من هذا الباب ، صارت الألسنة جارية بمدحه ، والقلوب مجبولة على حبه ، وكلما كانت هذه الصفات الشريفة أكثر ، كانت هذه المحبة أقوى ، وأيضا فنور معرفة الله مخدوم بالذات ، ففي أي قلب حضر صار ذلك الإنسان مخدوما بالطبع ، ألا ترى أن البهائم والسباع قد تكون أقوى من الإنسان ، ثم إنها إذا شاهدت الإنسان هابته وفرت منه وما ذاك إلا لمهابة النفس الناطقة . 

والقول الثالث : في تفسير البشرى أنها عبارة عن حصول البشرى لهم عند الموت قال تعالى : ( تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة ) [ فصلت : 30 ] وأما البشرى في الآخرة فسلام الملائكة عليهم كما قال تعالى : ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) [ الرعد : 23 ] وسلام الله عليهم كما قال : ( سلام قولا من رب رحيم ) [ يس : 58 ] ويندرج في هذا الباب ما ذكره الله في هذا الكتاب [ص: 104 ] الكريم من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم ، وما يلقون فيها من الأحوال السارة ، فكل ذلك من المبشرات . 

والقول الرابع : أن ذلك عبارة عما بشر الله عباده المتقين في كتابه وعلى ألسنة أنبيائه من جنته وكريم ثوابه . ودليله قوله : ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ) [ التوبة : 21 ] . 

واعلم أن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه ، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية ، ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصفة ، فيكون الكل داخلا فيه فكل ما يتعلق من هذه الوجوه بالدنيا فهو داخل تحت قوله : ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وكل ما يتعلق بالآخرة فهو داخل تحت قوله : ( وفي الآخرة ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أولياء الله وشرح أحوالهم قال تعالى : ( لا تبديل لكلمات الله والمراد أنه لا خلف فيها ، والكلمة والقول سواء ، ونظيره قوله : ( ما يبدل القول لدي ) [ ق : 29 ] وهذا أحد ما يقوي أن المراد بالبشرى وعد الله بالثواب والكرامة لمن أطاعه بقوله : ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ثم بين تعالى أن : ( ذلك هو الفوز العظيم وهو كقوله تعالى : ( وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا ) [ الإنسان : 20 ] ثم قال القاضي : قوله : ( لا تبديل لكلمات الله يدل على أنها قابلة للتبديل ، وكل ما قبل العدم امتنع أن يكون قديما . ونظير هذا الاستدلال بحصول النسخ على أن حكم الله تعالى لا يكون قديما وقد سبق الكلام على أمثال هذه الوجوه . 

كان مشايخ الصوفية العارفون أهل الاستقامة يوصون كثيرا بمتابعة العلم ومتابعة الشرع

 كان مشايخ الصوفية العارفون أهل الاستقامة يوصون كثيرا بمتابعة العلم ومتابعة الشرع لأن كثيرا منهم سلكوا في العبادة لله مجرد ح ، ر ، ى ، ب : بمجرد . محبة النفس وإراداتها وهواها ، من غير اعتصام بالعلم الذي جاء به الكتاب والسنة ، فضلوا بسبب ذلك ضلالا يشبه ضلال النصارى 

ولهذا قال بعض الشيوخ - وهو أبو عمرو بن نجيد في جميع النسخ : عمرو بن نجيد ، وأشار محقق ( ب ) إلى وجود نسخة عنده فيها : أبو عمرو بن نجد ، وهو أبو عمرو إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف السلمي ، قال أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية ص 454 : جدي لأمي ، لقي الجنيد وكان أكبر مشايخ وقته ، توفي سنة 366 هـ . انظر ترجمته وأقواله في القشيرية 1 \ 171 ، طبقات الصوفية ، ص 454 - 457 ، الطبقات الكبرى 1 \ 103 طبقات الشافعية 3 \ 222 - 224 المنتظم 7 \ 84 - 85 ، شذرات الذهب 3 \ 50 - : " كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل " ، وقال سهل أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس التستري ، من كبار الصوفية ، ولد سنة 200 وتوفي سنة 283 ، انظر ترجمته وأقواله في طبقات الصوفية ص 206 - 211 ، الطبقات الكبرى 1 \ 66 - 68 ، صفة الصفوة 4 \ 46 - 48 ، شذرات الذهب 2 \ 182 - 184 ، الأعلام 3 \ 210 ، والنص التالي في القشيرية 1 \ 85 ( وترجمة سهل التستري في القشيرية 1 \ 83 - 85 ) : " كل عمل بلا اقتداء فهو عيش النفس ، وكل عمل باقتداء فهو عذاب على النفس " . وقال أبو عثمان النيسابوري هو أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور الحيري النيسابوري وأصله من الري ، شيخ الصوفية بنيسابور وبها توفي سنة 298 انظر ترجمته وأقواله في : طبقات الصوفية ص 170 - 175 ، صفة الصفوة 4 \ 85 - 88 ، الطبقات الكبرى 1 \ 74 - 75 ، وفيات الأعيان 2 \ 111 - 112 تاريخ بغداد 9 \ 99 - 102 المنتظم 6 \ 106 - 108 ، الرسالة القشيرية 1 \ 109 - 111 وهذا النص في القشيرية 1 \ 111 : " من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق ص: 332 ] بالحكمة ، ومن أمر الهوى على نفسه [ قولا وفعلا ] قولا وفعلا : ساقطة من ( ن ) . نطق بالبدعة ; لأن الله تعالى يقول وإن تطيعوه تهتدوا ) [ سورة النور : 54 ] " . وقال بعضهم : " ما ترك أحد شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه " . 

وهو كما قالوا ، فإنه إذا لم يكن متبعا للأمر الذي جاء به الرسول كان يعمل بإرادة نفسه ، فيكون متبعا لهواه بغير هدى من الله ، وهذا عيش النفس ، وهو من الكبر ، فإنه شعبة ن : شيعة . من قول الذين قالوا : ( لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) [ سورة الأنعام : 124 ] . 

وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياضته واجتهاده في العبادة وتصفية نفسه إلى ما وصلت إليه الأنبياء، من غير اتباع لطريقهم ح ، ب ، ي ، ر : لطريقتهم . ، وفيهم طوائف يظنون أنهم صاروا أفضل من الأنبياء ، وأن الولي ح ، الأولياء . الذي يظنون هم أنه الولي أفضل من الأنبياء ، وفيهمن ، و : ومنهم . من يقول : إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء ، ويدعي في نفسه أنه خاتم الأولياء ، ويكون ذلك العلم هو حقيقة قول فرعون إن هذا ص: 333 ] الوجود المشهود واجب بنفسه ، ليس له صانع مباين له . لكن هذا يقول : هو الله انظر ما ذكره ابن تيمية في رسالة " في الرد على ابن عربي في دعوى إيمان فرعون " في " جامع الرسائل " 1 \ 203 - 210 وانظر تعليقاتي هناك . ،وفرعون أظهر الإنكار بالكلية ، لكن كان فرعون في الباطن أعرف منهم ، فإن كان مثبتا للصانع . وهؤلاء ظنوا و : يظنون . أن الوجود المخلوق هو الوجود الخالق ، كما يقول ذلك ابن عربي وأمثاله من الاتحادية انظر " جامع الرسائل " 1 \ 164 - 167 

والمقصود ذكر من عدل عن العبادات التي شرعها الرسول ، إلى عبادات بإرادته وذوقه ووجده ومحبته وهواه ، وأنهم صاروا في أنواع من الضلال ، [ من جنس ضلال ] ما بين المعقوفتين ساقط من ( ن ) . النصارى ففيهم من يدعي إسقاط وساطة الأنبياء ، والوصول إلى الله بغير طريقهم ، ويدعي ما هو أفضل من النبوة ، ومنهم من يدعي الاتحاد والحلول الخاص إما لنفسه ، وإما لشيخه ، وإما لطائفته الواصلين ن : الواصلة . ، إلى حقيقة التوحيد بزعمه بزعمه : ساقطة من ( و ) . 

وهذا قول النصارى ، والنصارى موصوفون بالغلو وكذلك هؤلاء ص: 334 ] مبتدعة العباد الغلو فيهم وفي الرافضة ، ولهذا يوجد في هذين الصنفين كثير ممن يدعي إما لنفسه وإما لشيخه [ الإلهية ] الإلهية : ساقطة من ( ن ) . ، كما يدعيه كثير من الإسماعيلية و : كما تدعيه الإسماعيلية ، وسبق الكلام على الإسماعيلية في الجزء الأول من هذا الكتاب ص [ 0 - 9 ] 0 لأئمتهم بني عبيد ، وكما يدعيه كثير من الغالية : إما للاثنى عشر ، وإما لغيرهم من أهل البيت ومن غير أهل البيت ، كما تدعيه النصيرية وغيرهم . 

وكذلك في جنس المبتدعة الخارجين عن الكتاب والسنة من أهل التعبد [ والتأله ] والتأله زيادة في ( و ) فقط . والتصوف ، منهم طوائف من الغلاة يدعون الإلهية ، ودعوى ما هو فوق النبوة ، وإن كان متفلسفا يجوز وجود نبي بعد محمد ، كالسهروردي المقتول في الزندقة شهاب الدين أبو الفتوح يحيى بن الحسن بن أميرك السهروردي ، المولود بسهرورد سنة 549 ، وقتل بحلب سنة 587 هـ ، وعرف بفلسفته الإشراقية ، انظر عنه وعن آرائه : وفيات الأعيان 5 \ 312 - 318 لسان الميزان 3 \ 156 - 158 ، النجوم الزاهرة 6 \ 114 - 115 ، الأعلام 9 \ 169 - 170 وانظر : كتاب : " أصول الفلسفة الإشراقية " تأليف الدكتور محمد علي أبي ريان ( ط . الأنجلو ) القاهرة 1959 ، الكتاب التذكاري للسهروردي في الذكرى المئوية الثامنة لوفاته ، أشرف عليه الدكتور إبراهيم مدكور ، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1394 \ 1974 ، وابن سبعين سبقت ترجمته فيما مضى من هذا الكتاب 1 \ 366 ، وغيرهما ، صاروا ص: 335 ] يطلبون النبوة ذكر ابن تيمية في كتابه " درء تعارض العقل والنقل " 5 \ 22 وصار كل من هؤلاء يدعي النبوة والرسالة ، أو يريد أن يفصح بذلك لولا السيف ، كما فعل السهروردي المقتول ، فإنه كان يقول : لا أموت حتى يقال لي : قم فأنذر . وكان ابن سبعين يقول : لقد زرب ابن آمنة حيث قال : لا نبي بعدي ، ويقال : إنه كان يتحرى غار حراء لينزل عليه فيه الوحي . وعلقت على هذا الكلام بقولي : " يقول الدكتور محمد علي أبو ريان في مقدمته لكتاب " هياكل النور " للسهروردي ص 11 ط . التجارية القاهرة 1377 \ 1957 إن علماء حلب سألوا السهروردي أثناء مناقشته في مسجد حلب : هل يقدر الله على أن يخلق نبيا آخر بعد محمد ؟ فأجابهم الشيخ بأن : " لا حد لقدرته " . ويقول الدكتور أبو الوفا التفتازاني في مقالة " ابن سبعين وحكيم الإشراق " ، ص 296 الكتاب التذكاري لشهاب الدين السهروردي ط . القاهرة 1394 \ 1974 وكذلك الأمر بالنسبة إلى ابن سبعين فإنه في " بد العارف " يصرح بأن النبوة رتبة ممنوعة ولا طمع فيها بوجه من الوجوه ، وإن كان في طبع الإنسان أو في طبع جنسه أن توجد له النبوة ، فالأنبياء بشر " ، انظر ما ذكره الأستاذان في المرجعين السابقين وما ذكره الدكتور أبو ريان في : أصول الفلسفة الإشراقية ، ص 304 - 312 مقدمة كتاب حكمة الإشراق للسهروردي ص 11 - 12 " ط باريس " ، 1952 مجموعة في الحكمة الإلهية للسهروردي ، كتاب التلويحات ، ص 95 - 113 ط . استانبول ، 1945 ، بخلاف من أقر بما جاء به الشرع ، ورأى أن الشرع الظاهر لا سبيل إلى تغييره ; فإنه يقول : النبوة ختمت، لكن الولاية لم تختم . ويدعي من و : في الولاية ما هو أعظم من النبوة ، وما يكون للأنبياء والمرسلين ، وأن الأنبياء يستفيدون منها . 

ومن هؤلاء من يقول بالحلول والاتحاد ، وهم في و : وما يكون للأنبياء ، والمرسلون يستفيدون منها ، يعني القول بوحدة الوجود ، وهم في .الحلول والاتحاد نوعان و : أنواع . نوع يقول بالحلول والاتحاد العام المطلق ، كابن عربي وأمثاله ، ويقولون في النبوة : إن الولاية أعظم منها ، كما قال ابن عربي ص: 336 ] 

مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
لم أعثر على هذا البيت ، ولكن وجدت بيتا بمعناه في كتاب لطائف الأسرار لابن عربي تحقيق أحمد زكي عطية وطه عبد الباقي سرور ، دار الفكر العربي ، 1380 \ 1960 ص 49 ونصه : سماء النبوة في برزخ دوين الولي وفوق الرسول وفي الفتوحات المكية 2 \ 252 يقول : بين الولاية والرسالة برزخ فيه النبوة حكمها لا يجهل وانظر الفتوحات 2 \ 52 - 53 

وقال ابن عربي في " الفصوص " في فصوص الحكم 1 \ 62 : " وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأنبياء ، وما يراه أحد من الأنبياء إلا من مشكاة خاتم الأنبياء فصوص الحكم : من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم . ، وما يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة خاتم الأولياءفصوص الحكم : ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم . ، [ حتى إن الرسل إذا رأوه لا يرونه - [ إذا رأوه ] إذا رأوه في ( و ) ، فقط ، وفي " فصوص الحكم " متى رأوه . إلا من مشكاة خاتم الأولياء ] ما بين المعقوفتين ساقط من ( ن ) . ، فإن الرسالة والنبوة - أعني رسالة التشريع ونبوته فصوص الحكم : أعني نبوة التشريع ورسالته . تنقطعان ، وأما الولاية فلا تنقطع أبدا الفصوص : والولاية لا تنقطع أبدا .فالمرسلون ، من كونهم أولياء ، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء ن : الأنبياء ، وهو خطأ . ، فكيف بمن الفصوص : من . دونهم من الأولياء ؟ وإن كان ص: 337 ] خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع ، فذلك لا يقدح في مقامه ، ولا يناقض ما ذهبنا إليه ، فإنه من وجه يكون أنزل ، ومن وجه ن ، و : كما أنه من وجه . يكون أعلى " . 

قال بعد الكلام السابق بخمسة أسطر 1 \ 63 : " ولما مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - [ النبوة ] النبوة : ساقطة من ( ن ) . بالحائط من اللبن ، فرآها قد كملت إلا موضع لبنة الفصوص : من اللبن وقد كمل سوى موضع لبنة . ، فكان هو - صلى الله عليه وسلم - موضع اللبنة ، وأما خاتم الفصوص : فكان - صلى الله عليه وسلم - تلك اللبنة غير أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يراها إلا كما قال لبنة واحدة ، وأما خاتم .الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا ، فيرى ما مثله النبي - صلى الله عليه وسلم - الفصوص : فيرى ما مثله به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ، ويرى نفسه في الحائط موضع لبنتين ، ويرى نفسه الفصوص : ويرى في الحائط موضع لبنتين ، واللبن من ذهب وفضة ، فيرى اللبنتين اللتين تنقص الحائط عنهما وتكمل بهما ، لبنة ذهب ولبنة فضة ، فلا بد أن يرى نفسه . تنطبع [ في ] في : ساقطة من ( ن ) . موضع [ تينك ]تينك : في ( و ) فقط ، وهي في فصوص الحكم . اللبنتين ، فيكمل الحائط الفصوص : اللبنتين ، فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين ، فيكمل الحائط .، والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أن الحائط لبنة من ذهب ص: 338 ] ولبنة من فضة ، واللبنة الفضة هي ظاهره الفصوص : لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر ، وهو موضع اللبنة الفضة ، وهو ظاهره . وما يتبعه فيه من الأحكام ، كما هو آخذ عن الله في السر ما هو في الصورة الفصوص : بالصورة . الظاهرة متبع فيه ; لأنه يرى الأمر على ما هو عليه ، فلا بد أن يراه هكذا ، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن ، فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى [ به ] به : ساقطة من ( ن ) . إلى الرسول " . 

قال في فصوص الحكم 1 \ 63 بعد الكلام السابق مباشرة . فإن فهمت ما أشرنا إليه الفصوص : ما أشرت به . ، فقد حصل لك العلم النافعالفصوص : النافع بكل شيء . " . 

قلت : وقد بسطنا الرد على هؤلاء في مواضع ، وبينا كشف ما هم عليه من الضلال والخيال ، والنفاق والزندقة . 

وأما الذين يقولون بالاتحاد الخاص ، فهؤلاء منهم من يصرح بذلك . 

وأما من كان عنده علم بالنصوص [ الظاهرة ] الظاهرة : زيادة في ( ب ) فقط . ، ورأى أن هذا يناقض ما عليه المسلمون في الظاهر ، فإنه يجعل هذا مما يشار إليه ويرمز به ، ولا يباح به . ثم إن كان معظما للرسول والقرآن [ ظن أن الرسول ] ما بين المعقوفتين ساقط من ( ن ) فقط . كان يقول بذلك ، لكنه لم يبح به ; لأنه مما لا يمكن البشر أن يبوحوا به ، وإن كان ص: 339 ] غير معظم للرسول ، زعم أنه تعدى حد الرسول ، وهذا الضلال حدث قديما من جهال العباد . 

ولهذا كان العارفون ، كالجنيد بن محمد سيد الطائفة سيد الطائفة : ساقطة من ( و ) . قدس الله روحه - ح ، ب : سره ، وهو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزار ، أصل أبيه من نهاوند ، وكان يبيع الزجاج ، ولذلك يقال له القواريري ، والجنيد إمام الصوفية ، وسمي بسيد الطائفة لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة ، توفي ببغداد سنة 279 وقيل 298 انظر ترجمته وأقواله في : طبقات الصوفية ص 155 - 163 ، الطبقات الكبرى 1 \ 72 - 74 ، صفة الصفوة 2 \ 235 - 240 ، وفيات الأعيان 1 \ 323 - 325 ، شذرات الذهب 2 \ 228 - 230 ، طبقات الشافعية 2 \ 260 - 265 ، الأعلام 2 \ 137 - 138 . لما سئل عن التوحيد قال : " التوحيد إفراد الحدوث عن القدم " أورد هذه العبارة ونسبها إلى الجنيد القشيري في الرسالة القشيرية 1 \ 24 - 25 وقال : التوحيد إفراد القدم من الحدث . فإنه كان عارفا ، ورأى أقواما ينتهي بهم الأمر إلى الاتحاد ، فلا يميزون بين القديم والمحدث ، وكان أيضا [ طائفة ] طائفة ساقطة من ( ن ) . من أصحابه وقعوا في الفناء في توحيد الربوبية ، الذي لا يميز فيه بين المأمور والمحظور ، فدعاهم الجنيد إلى الفرق الثاني ، وهو توحيد الإلهية ، الذي يميز فيه بين المأمور والمحظور ، فمنهم من وافقه ، ومنهم من خالفه ، ومنهم لم يفهم كلامه . 

وقد ذكر بعض ما جرى من ذلك أبو سعيد الأعرابي في " طبقات ص: 340 ] النساك " ن : أبو سعد الأعرابي ، وهو أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن الأعرابي ، ولد سنة 246 ، وكان من أصحاب الجنيد وأبي الحسين النوري ، وتوفي سنة 341 ، وذكر سزكين كتابه " طبقات النساك " ، وقال : أفاد منه أبو نعيم في " حلية الأولياء " والذهبي في " تذكرة الحفاظ " . وانظر ترجمته وأقواله في القشيرية 1 \ 165 ، طبقات الصوفية ، ص 427 - 430 ، شذرات الذهب 2 \ 354 - 355 ، حلية الأولياء 10 \ 375 - 376 ، لسان الميزان 1 \ 308 - 309 ، الأعلام 1 \ 199 سزكين م [ 0 - 9 ] ج [ 0 - 9 ] ص 155 - 156 . وكان من أصحاب الجنيد ، ومن شيوخ ن : ومن أصحاب . أبي طالب المكي ، [ كان ] كان : ساقطة من ( ن ) . من أهل العلم بالحديث وغيره ، ومن أهل المعرفة بأخبار الزهاد وأهل الحقائق . 

وهذا الذي ذكره الجنيد من الفرق بين القديم والمحدث ، والفرق بين المأمور والمحظور ، بهما يزول ما وقع فيه كثير من الصوفية من هذا الضلال . ولهذا كان الضلال منهم يذمون الجنيد على ذلك ، كابن عربي وأمثاله ، فإن له كتابا سماه " الإسرا إلى المقام الأسرى " هذا الكتاب لابن عربي ضمن مجموعة رسائل ابن العربي ، ط حيدر آباد الدكن 1367 \ 1948 مضمونه حديث نفس ووساوس و : ووسوسة . شيطان حصلت في نفسه ، جعل ذلك معراجا كمعراج الأنبياء انظر كتاب " الإسرا إلى مقام الأسرى وانظر قوله ص 9 - 10 " فبينما أنا نائم ، وسر وجودي متهجد قائم ، جاءني رسول التوفيق ، ليهديني سواء الطريق ، ومع براق الإخلاص ، عليه لبد الفوز ولجام الإخلاص ، فكشف عن سقف محلي ، وأخذ في نقضي وحلي ، وشق صدري بسكين السكينة ، وأسرى بي من حرم الأكوان ، إلى قدس الجنان ، فربطت البراق بحلقة بابه ، وأتيت بالخمر واللبن ، فشربت ميراث تمام اللبن ، وتركت الخمر ، حذرا أن أكشف السر بالسكر . ، وأخذ يعيب على الجنيد وعلى غيره من الشيوخ ما ذكروه ، وعاب على الجنيد قوله : " التوحيد إفراد الحدوث عن القدم " وقال : قلت له : يا جنيد ، ما يميز بين الشيئين إلا من كان خارجا عنهما ، وأنت إما ص:341 ] قديم أو محدث ، فكيف تميز ؟ " لم أجد هذا الكلام في الكتاب السابق ، ويبدو أنه في كتاب آخر لابن عربي ، ووجدت نصا من كتاب " التجليات الإلهية " ، لابن عربي نشره الدكتور عثمان يحيى ضمن مقاله " نصوص تاريخية خاصة بنظرية التوحيد في التفكر الإسلامي " وهو مقال في " الكتاب التذكاري : محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة لميلاده " نشر الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر . 1389 \ 1969 وهذا النص في ص 264 وهو : " رأيت الجنيد في هذا التجلي فقلت له : يا أبا القاسم ، كيف تقول في التوحيد : يتميز العبد من الرب ؟ وأين تكون أنت عند هذا التمييز ؟ لا يصح أن تكون عبدا ولا ربا ، فلا بد أن تكون في بينونة تقتضي الاستواء والعلم بالمقامين ، مع تجردك عنهما حتى تراهما ، فخجل وأطرق " ، وانظر ما بعد ذلك إلى ص 268 

وهذا جهل منه ، فإن المميز بين الشيئين هو الذي يعرف أن هذا غير هذا ، ليس من شرطه أن يكون ثالثا ، بل كل إنسان يميز بين نفسه وبين غيره وليس هو ثالثا ، والرب سبحانه يميز نفسه وبين غيره ، وليس هناك ثالث . 

وهذا الذي ذمه الجنيد رحمه الله - ، وأمثاله من الشيوخ العارفين ، وقع فيه خلق كثير ، حتى من أهل العلم بالقرآن وتفسيره والحديث والآثار ، ومن المعظمين لله ورسوله باطنا وظاهرا ، المحبين لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، الذابين عنها - وقعوا في هذا غلطا لا تعمدا ، وهم يحسبون أن هذا نهاية التوحيد . كما ذكر ذلك صاحب " منازل السائرين " ص: 342 ] مع علمه وسنته ، ومعرفته ودينه صاحب كتاب " منازل السائرين " ، هو أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الهروي الأنصاري ، كان يدعى شيخ الإسلام ، وكان إمام أهل السنة بهراة ويسمى خطيب العجم لتبحر علمه وفصاحته ونبله ، توفي سنة 481 . انظر ترجمته في : طبقات الحنابلة 2 \ 247 - 248 ، الذيل لابن رجب 1 \ 50 - 68 ، الأعلام 4 \ 267 ، تذكرة الحفاظ 3 \ 1183 - 1190 ، معجم المؤلفين 6 \ 133 - 134 . وانظر كتاب " شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري الهروي " ، تأليف دكتور محمد سعيد عبد المجيد سعيد الأفغاني ( ط . دار الكتب الحديثة ) القاهرة 1388 \ 1968 

وقد ذكر في كتابه " منازل السائرين " أشياء حسنة نافعة ، وأشياء باطلة . ولكن هو فيه ينتهي إلى الفناء في توحيد الربوبية ، ثم إلى التوحيد الذي هو حقيقة الاتحاد . ولهذا قال ص 110 - 113 ( ط . المعهد العلمي الفرنسي ) ، تحقيق س . دي لوجيه ، القاهرة 1962 : " باب التوحيد : قال الله تعالى : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو ) [ سورة آل عمران : 18 ] التوحيد : تنزيه الله عن الحدث الحديث : كذا في ( و ) ، منازل السائرين ، وفي سائر النسخ : الحدوث . 

قال بعد الكلام السابق مباشرة . وإنما نطق العلماء بما نطقوا به ، وأشار المحققون ن : وأشار العلماء المحققون . إلى ما أشاروا إليه منازل السائرين : بما أشاروا إليه . في هذا الطريق لقصد تصحيح التوحيد ، وما سواه من حال أو مقام فكله مصحوب العلل " .