21 نوفمبر 2022

مصطلح التصريف في الكون عند الصوفية تنزيه الفاضليين الأطهار عن الوقوع في مستنقعات الفجار(2)



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده 
وبعد: فقد أثَرْتُ في الصفحة فكرة أنه يجوز لغير الله أن يدبر الأمر إشارة لقوله تعالى ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴾ وهي في مقدمة سورة النازعات، وهي آية محكمة في نسبة تدبير الأمر والذي من معانيه التصريف، وهذه الآية محكمة لا يتخللها النسخ لأن النسخ لا يكون إلا في الأحكام. 
وقد اتفق أهل العلم قاطبة أن المقصود بها غير ذات الله سبحانه وتعالى، مع أن الله تعالى قال في موضع آخر من القرآن الكريم { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ } وقال  { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } وقال { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ }.
ومع  كل هذا فإنه لم يفسر أحد من العلماء قوله تعالى: { فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا } بأن المعني هو الله سبحانه وتعالى، بل المقصود غيره من أفراد هذا الكون الذين يكل إليهم في بعض الأحيان تدبير بعض الأمور.
وقد اختُلف في تفسير المقصود من هذه اللفظة مع أن كل التفاسير المبثوثة في كتب التفسير لا تعدو أن تكون اجتهادا، وليست مبنية على رواية سندها مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، يقول الإمام  الفخر الرازي رحمه الله:" وَاعْلَمْ أَنَّ الْوُجُوهَ الْمَنْقُولَةَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ غَيْرُ مَنْقُولَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصًّا، حَتَّى لَا يُمْكِنَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، بَلْ إِنَّمَا ذَكَرُوهَا لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُحْتَمِلًا لَهَا، فَإِذَا كَانَ احْتِمَالُ اللَّفْظِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ دُونَ احْتِمَالِهِ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوهَا لَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرُوهُ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرْنَاهُ ".
والذي تقتضيه قواعد البلاغة ورشاقة البيان في القرآن الكريم تتبع أسمى الطرق البلاغية في الخطاب، ومن تلك القواعد أن العطف إن كان بالواو فإنه يقتضي أن يكون المعطوف صفات مستقلة لذوات متعددة، أما إن كان بالفاء فيقتضي أن يكون المعطوف صفات متعددة لذات متحدة. وما جاء بخلاف ذلك فهو خلاف الأصل مثل قول الشاعر أنشده الفراء.
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
أراد صفات ممدوح واحد.
وعلى هذا،  إن ثبت أن معنى { وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا } للملائكة كما فسر به جل المفسرين، كان معنى قول تعالى ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْر قال غير الملائكة قطعا، وقد أشار لهذه القاعدة الإمام طاهر بن عاشور في تفسيره عند هذه الآية " وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ غَالِبُ الِاسْتِعْمَالِ أَنَّ الْمُتَعَاطِفَاتِ بِالْوَاوِ صِفَاتٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِمَوْصُوفَاتٍ مُخْتَلِفَةِ أَنْوَاعٍ أَوْ أَصْنَافٍ، أَوْ لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ لَهُ أَحْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَأَنَّ الْمَعْطُوفَاتِ بِالْفَاءِ صِفَاتٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَنِ الْوَصْفِ الَّذِي عُطِفَتْ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ، فَهِيَ صِفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَفَرِّعٌ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ قَسَمًا بِتِلْكَ الْأَحْوَالِ الْعَظِيمَةِ بِاعْتِبَارِ مَوْصُوفَاتِهَا.
وَلِلسَّلَفِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَقْوَالٌ فِي تَعْيِينِ مَوْصُوفَاتِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَفِي تَفْسِيرِ مَعَانِي الْأَوْصَافِ. وَأَحْسَنُ الْوُجُوهِ عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِمَّا عُطِفَ بِالْوَاوِ مُرَادًا بِهَا مَوْصُوفٌ غَيْرُ الْمُرَادِ بِمَوْصُوفِ الصِّفَةِ الْأُخْرَى، وَأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ عُطِفَتْ بِالْفَاءِ أَنْ تَكُونَ حَالَةً أُخْرَى لِلْمَوْصُوفِ الْمَعْطُوفِ بِالْوَاوِ كَمَا تقدم." 

وايضا من قواعد اللغوية أن اللفظ على عمومه الأصل فيه أن ينسحب على كل مفرداته إلا إذا جاء دليل يحدد بعض أفراده، وهذه القاعدة يمكن سحبها على الصفات اللاتي في أوائل سورة النازعات.
و قد انقدحت هذه القاعدة  في ذهن شيخ المفسرين وإمام اللغويين الإمام ابن جرير الطبري فقال " ولذا قال  الصواب عندي أن يقال إنه تعالى أقسم بالنازعات غرقا، ولم يخصص نازعة دون نازعة. فكل نازعة غرقا، فداخلة في قسمه ملكا أو نجما أو قوسا أو غير ذلك. وكذا عم القسم بجميع الناشطات من موضع إلى موضع. فكل ناشط فداخل فيما أقسم به، إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها، بأن المعنى بالقسم من ذلك، بعض دون بعض. وهكذا في البقية."
وعقبه الإمام النحاس وهو إمام البلاغيين في قوله" وكلامه رحمه الله متجه للغاية. إذ فيه إبقاء اللفظ على شموله، وهو أعم فائدة وعدم التكلف للتخصيص بلا قاطع. وإن كانت القرائن واستعمال موادها في مثلها وشواهدها، مما قد يخصص الصيغ. إلا أن التنزيل الكريم يتوقّى في التسرّع فيه ما لا يتوقى في غيره."

إن هذا التقعيد يجيز لنا  بدون أي حرج أن نفسر قول الله تعالى ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴾، بأنه يمكن أن يدخل فيها الصالحون الذين بلغوا رتبة من الصلاح مكنتهم لأن يسند لهم التصرف وفق ما يريدون، في بعض الأمور، وهذا هو الذي رجحه الإمام الرازي في تفسيره فقال " ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْأَرْوَاحَ الشَّرِيفَةَ الْعَالِيَةَ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَا يَكُونُ لِقُوَّتِهَا وَشَرَفِهَا يَظْهَرُ مِنْهَا آثَارٌ فِي أَحْوَالِ هَذَا الْعَالَمِ فَهِيَ فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً أَلَيْسَ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَرَى أُسْتَاذَهُ فِي الْمَنَامِ وَيَسْأَلُهُ عَنْ مُشْكِلَةٍ فَيُرْشِدُهُ إِلَيْهَا؟ أَلَيْسَ أَنَّ الِابْنَ قَدْ يَرَى أَبَاهُ فِي الْمَنَامِ فَيَهْدِيهِ إِلَى كَنْزٍ مَدْفُونٍ؟ أَلَيْسَ أَنَّ جَالِينُوسَ قَالَ: كُنْتُ مَرِيضًا فَعَجَزْتُ عَنْ عِلَاجِ نَفْسِي فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ وَاحِدًا أَرْشَدَنِي إِلَى كَيْفِيَّةِ الْعِلَاجِ؟ أَلَيْسَ أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ: إِنَّ الْأَرْوَاحَ الشَّرِيفَةَ إِذَا فَارَقَتْ أَبْدَانَهَا، ثُمَّ اتَّفَقَ إِنْسَانٌ مُشَابِهٌ لِلْإِنْسَانِ الْأَوَّلِ فِي الرُّوحِ وَالْبَدَنِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ الْمُفَارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذَا الْبَدَنِ حَتَّى تَصِيرَ كَالْمُعَاوِنَةِ لِلنَّفْسِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ الْبَدَنِ عَلَى أَعْمَالِ الْخَيْرِ فَتُسَمَّى تِلْكَ الْمُعَاوَنَةُ إِلْهَامًا؟ وَنَظِيرُهُ فِي جَانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وَسْوَسَةٌ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَنْقُولَةً عَنِ الْمُفَسِّرِينَ إِلَّا أَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهَا جِدًّا."

ولا  يفوتك قوله محتمل جدا؛ إن هذا الفهم لا مانع منه كما يدل عليه ظواهر النصوص الشرعية من القرآن الكريم ومنها :
ـــ  قوله تعالى {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ وحصر هذا العطاء لسليمان لا دليل عليه، لأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل قطعي، كما هو معلوم بالضرورة.
ــــ ومنه قوله تعالى﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾، فهذا تدبير من عيسى عليه السلام لكنه محصور بإذن الله، فمالمانع أن يهب الله تعالى عبدا من عباده ذلك  تصريفا بإذنه. إن الله على كل شيء قدير.
ـــــ قوله تعالى﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾، والآية في حق ذي القرنين، وهو على الصحيح ليس نبيا وهذا التمكين هو عين التصريف الذي يقصده الصوفية.

أما الأحاديث فمنها :
ـــ  مافي  صحيح البخاري عن أبي هريرة  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ.
وهذا صريح في إثبات معنى التصريف عند الصوفية، إذ من كان الله سمعه وبصره ويده ورجله، كيف يكون مثل غيره، من أهل جنسه.

فبان أن هذا هو التفسير الذي إن لم يكن الأرجح عند البعض ، فإن قواعد اللغة ونصوص الشرع لا ينقضانه وكفى بهما حجة . 
وقد فسرت الأوصاف المذكورة في الاية  بأنها الملائكة كما ذهب إلى ذلك كثير من المفسرين، وفسرت أيضا بالنجوم وفسرت أن هذه صفاة الغزاة، وفسرت بالمراتب الواقعة في رجوع القلب من غير الله تعالى إلى الله.

20 نوفمبر 2022

مصطلح التصريف في الكون عند الصوفية



تنزيه الفاضليين الأطهار عن الوقوع في مستنقعات الفجار ٍ(1)
بسم الله الرحمن الرحيم 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

إنه من المعلوم عند كل ممارس للعلوم، أن لكل فن مصطلحاته التي اتفق عليها أهله، ولا ينبغي لاحتجاج عليهم بمصطلح مفرغ من المعاني التي توخاها أهل ذلك الفن من وراء هذا المصطلح، ويعتبر ذلك إما جهلا أو تجاهلا.
وفي هذا السياق سقط من يسمون أنفسهم أهل السنة والحديث ودعاة الخير في هذه الورطة، فسمعوا كلاما يقتضي أن أحد الأولياء الصالحين وصف آخر بأنه يتصرف في الكون، ـــ مع أنني اطلعت على مصادر الفاضلية لم أجد ذكرا لما ذكره صاحب الكلمة، من أن الشيخ محمد فاضل أرسل ابنه الشيخ سعد أبيه لما بدأ يتصرف في الكون، بل هذا بعيد مما ذكره الشيخ سعدبوه في كتابه الاسنة النافذة من أنه تم تصدره لما شهد والده أنه بلغ رتبة من زكاة القلب وطهارته بحيث لم يعد يهتم إلا بعبادة الحق جل وعلاـ ممثلا ذلك في أن كل شعرة في رأسه صارت كأنها تذكر الله، بيانامنه لشدة اعتنائه بالعبادة وتملكها من جسمه هذا من باب الأمانة العلمية، ودفاعا عن أعراض أولئك الصادقين مع الله ــ .
   إلا أن هذا المصطلح لا يمكن إنكار كونه من المصطلحات التي جرت على ألسنة بعض المتصوفة المتأخرين، بعكس المتقدمين منهم.
وعليه فينبغي تفكيك هذا المصطلح انطلاقا من المعنى الذي يقصده به أهل التصوف.
التصريف أو التصرف ـ نفس المعنى ــ  في الكون المقصود به عند أهل التصوف المعنى المجازي، وليس على ظاهره الذي يفضي إلى أن أحدا صار يتحكم في الكون من دون الله؛ وذلك لأن المتصرف على الحقيقة هو الله تعالى، ومن اعتقد غير ذلك فقد كفرعند جميع أهل لإسلام، أما التصرف عند الصوفية فهو التصرف المجازي الذي يأتي بعد إذن الله سواء الإذن الكوني أو الشرعي، تماما كما استعمل الفقهاء مصطلح التصرف الذي عرف به خليل المالكي الشركة فقال " الشَّرِكَةُ: إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِمَا وإنما تصح من أهل التوكيل والتوكل"، واستعمال الفقهاء لهذا المصطلح في باب المعاملات معروف.
كذلك علم مصطلح الحديث فإن أهله استعملوا على المصطلح استعمالا شايعا عندهم وهو عندهم يدل في الإسناد والمتن، ومن ذلك قول السخاوي في شرح ألفية العراقي:" وإن اصطلح المتأخرون على التصرف في أسماء الرواة وأنسابهم بالزيادة والنقص، وبزيادة تعيين تاريخ السماع، والقارئ، والمخرج، ونحو ذلك" . إلى غير ذلك  مما سطره بعض أهل الفنون.
أما أهل التصوف فقد عرفوا التصريف والتصرف بعدة تعاريف لا تخرج عن قانون الشرع، وإليك بعض هذه التعريفات
ـــ تعريف أبي المواهب الشاذلي 882هـــ، " التصريف أن يعطى للكامل إذنه فيما قَلَ وجَلَ من المضار والمنافع، ومن دونه يتصرف بالإذن بحسب النوازل و الوقائع ، ومن أعطى التصريف لا يخرج عن مشيئة الفاعل بالاختيار، ومن زعم غير ذلك حجبت عنه المعارف و الأنوار "
فانظر إلى هذا المعنى هل فيه ما يناقض الشرع من أي وجه؟ أليس حاصرا التصرف بإذن الله تعالى للمتصرف، وإن هذا الأصل مشترك بين كل الخلائق فأي حركة لإنسان أو مخلوق آخر أيا كان يصح التعبير عنه بأنه تصرف، إلا أن التصرف إن نسب إلى الاولياء فهو زيادة إمداد إلهي كمعية الله الشاملة لكل الخلق في قوله تعالى ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ وأما المعية التي ذكر في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾، فهذه معية اصفاء واجتباء.
ـــــــ تعريف فضيلة الإمام محمد بخيت المطيعي في فتوى له (مطبوعة مع كتاب : نفحات القرب والإتصال بإثبات التصرف لأولياء الله تعالى بعد الانتقال:
"ومن ذلك تعلم أن ما ظهر من التصرفات على يد الأولياء لا يخالف صريح القرآن، لأن هذا التصرف الذي ينسب للأولياء هو نوع من الكرامات وهو فعل الله وخلقه ، يظهره الله إكراما لهم، تارة بإلهام وتارة بمنام وتارة بدعائهم وتارة بفعلهم واختيارهم وترة بغير اختيار ولا قصد ولا شعور منهم، بل قد يحصل من الصبي المميز، وتارة بالتوسل إلى الله تعالى بهم في حياتهم وبعد مماتهم مما هو محكي في القدرة الإلهية".
ـــــــ  تعريف التاج السبكي :
"إن من أنواع الكرامة مقام التصريف وأما ما يتعلق بما بعد مماتهم فقد تقدم أن كراماتهم لا تنقطع بالموت , ثم إن تصرف الأولياء في حياتهم وبعد مماتهم إنما هو بإذن الله تعالى وإرادته , لا شريك له في ذلك خلقا وإيجادا , أكرمهم الله تعالى به وأجراه على أيديهم وبسببهم خرقا للعادة تارة بإلهام وتارة بمنام وتارة بدعائهم وتارة بفعلهم واختيارهم وتارة بغير إختيار ولا قصد ولا شعور منهم , بل قد حصل من الصبي غير المميز"
فالتصريف إذا مصطلح مجازي ليس على حقيقته، ككل ما يصدر من الإنسان من تصرفات فهي مجازية لأن الفاعل على الحقيقة هو الله جل وعلا ، ورسخ الإمام ابن عطاء الله السكندري ذلك بقوله :" من نعم الله وفضله علينا أنه يفعل الأشياء وينسبها إلينا"؛ ومصداق هذا قول الله تعالى﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ﴾ وقال عن ملك الموت ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾.

وبعد تقرير هذا المعنى، فإن القرآن الكريم آياته واضحات بينات في أن الله تعالى إذا رضي عن العبد أكرمه الله  بأن يعطيه  كل ما تاقت له نفسه، تعجيلا له بالمعنى الذي قال جل من قائل في الجنة ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾،
فيكون إثبات هذا المعنى بإقامة دليلين  الأول أن الله له أن يمنح عبدا من عباده حق التصرف في بعض أمور الكون، كما رأينا مع  ملك الموت، وهذا المعنى أوضح من أن تقام الحجة عليه لأنه داخل في عموم القدرة، ومنه قول الحق جل وعلا ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.
 الثاني : إخبار الله تعالى بوقوعه، فقد بين الله في كتابه أن من بين من أنعم عليهم بهذا النعيم نبي الله سليمان، الذي أعطاه الله التصرف في الكون بإذنه فسخر له مالم يسخر لغيهر، وكفى تبيينا لذلك ما في محكم القرآن الكريم {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾، وقوله ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ﴾ أليس في هذا نص صريح على أن لنبي الله سليمان التصرف في الريح كيف يشاء، وله التصرف في أن يهب من عطاء الله ما أحب لمن أحب، دون أي حساب.

كذلك نبي الله عيسى الذي أعطي التصرف التام في أمور أكثر تعقيدا مما رزق سليمان ، وهي أن يخلق من الطين الذي هو جماد طائرا ثم ينفخ فيه الحياة، ويرجع الكلام للأبكم يعيد خلقة الأبرص إلا الخلقة الطبيعية، وكذلك يعيد الحياة في من مات لكن لما كان كل ذلك بإذن الله، لم يكن مستنكرا يقول الله تعالى ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾، وأخال هؤلاء المنكرين تنتفخ أوداجهم بأن هذا وقع للأنبياء وأنه خاص بهم ولا ينبغي لغيرهم، قلنا إنه من المعلوم عند أهل الأصول أن التخصيص لا يثبت إلا بنص قطعي، وإلا فإن الأصل عدمه، وأين النص القطعي في أن ما أعطي للنبيين سليمان وعيسى عليهما السلام، هو من باب الخصوص؟.
أما من السنة فكثير جدا ذكر جواز ذلك، ووقوعه منه قوله تعالى فيما يرويه عنه رسوله عليه الصلاة والسلام: «أنا الله خالق كل شيء فمن أطاعني أطاعه كل شيء أنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون فمن أطاعني فيما أمرته ونهيته أجعله يقول للشيء كن فيكون» أخرجه صاحب كتاب الجمان.
وقوله أيضا: لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيه وإن تقرب إلي قربته وإن أتاني يمشي أتيته مهرولا،
يقول العلامة الشيخ محمد فاضل بن الحبيب في كتابه الضياء المستبين في كرامات شيخنا الشيخ محمد فاضل بن مامين معلقا على هذا الحديث

"فمن كان سمعه بالله ما ليس للحواس فيه مسمع ومن كان بصره بالله أبصر ما تشوف لبصر ومن كان بطشه بالله أيضا أبطش من شاء بما شاء كيف شاء، ومن كان مشيه به الله مشى كيف شاء لمن شاء ولا يتقيد من هذا حاله بوصف في أمر ما كما أن الله تعالى لا يقيد بشيء. اهـ.
قال الطوفي: اتفق العلماء ممن يوثق بهم أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الآلات التي يستعين بها. اهـ كلامه.
وهذا ابن تيمية يقول في كتاب النبوّات: (ص298): (وقد يكون إحياء الموتى على يد أتباع الأنبياء كما وقع لطائفة من هذه الأمّ) .
وقال في النبوّات: (ص218) وهو يستعرض معجزات الأنبياء: (فإنّه لا ريب أنّ الله خصّ الأنبياء بخصائص لا توجد لغيرهم، ولا ريب أنّ من آياتهم ما لا يقدر أن يأتي به غير الأنبياء.. كالناقة التي لصالح فإنّ تلك الآية لم تكن مثلها لغيره، وهو خروج ناقة من الأرض بخلاف إحياء الموتى فإنّه اشترك فيه كثير من الأنبياء والصالحين).
وفي مجموع الفتاوى (3: 156): (ومن أصول أهل السنّة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء ما يجري الله على أيديهم من خوارق العادة في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات كالمأثور من سائر الأمم.
ورحم الله الشيخ محمد المامي، حيث مدحه أحد محبيه بالكاف التالي 
صدع الكون اتكد اطبو  @@@ وال فيه اتكد اتريحو
والعبد إلى فلشو ربو  @@@   فيديه ادير امفاتيحو
وكل هذا مخصص بقوله، في بيان أن كل مايقع ليس خارجا عن إذنه أبدا، قال تعالى: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾وقوله:{وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقوله ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ  ﴾وقوله﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾
الشيخ سعدبوه الشيخ عبداتي

15 نوفمبر 2022

الندوة العلمية الشيخ ماءالعينين الظاهرة

التي نظمتها اسرة اهل الشيخ سيديا الماجدة باكبر فنادق نواكشوط بموريتانيا هذا المساء ، بدأها احد افراد الاسرة خطيباً مفوها فبالغ في الترحاب بوفد اهل الشيخ ماءالعينين الذي حضر الندوة ، مذكراً ان اهل الشيخ سيديا جاؤو جميعهم مُباركين هذه الندوة بأبنائهم اهل الشيخ سيديا وابناء بنات الشيخ سيديا وابناء عمومتهم وموريديهم وحتى نسائهم وفي مقدمتهم الوزيرة السيدة الناهة منت هارون .









يذكر ان الندوة هي الثانية في بحر شهر التي تنظمها هذه الاسرة الفاضلة وقد امتلئت قاعة المؤتمرات بالفندق عن آخرها .
المحاضرة القاها الشيخ عبد الله ول يعقوب ول الشيخ سيديا ، بحضور ومشاركة اعلام كبار آخرين .

اهل الشيخ سيديا اهل لكل مكرمة ، فجزاهم الله خير الجزاء على صنيعهم

01 نوفمبر 2022

كلمة مؤسسة الشيخ ماءالعينين للعلوم والتراث


الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحابته الأكرمين
ايها الحضور الكريم ، أحبتنا من خارج المغرب ومن داخله ،


تتشرف مؤسسة الشيخ ماءالعينين للعلوم والتراث المنظمة للملتقى الدولي للفكر الصوفي عند الشيخ ماءالعينين ،أن تشارك  الترحيب مع أبناء قبيلة الشيخ ماءالعينين والجمعيات المنتسبة لها بهذا الحضور الكريم الذي يزور زاوية شيخنا الشيخ ماءالعينين ومركبه العلمي ،
إن المؤسسة تثمن هذا النشاط و تتقدم بالتحية لمركز تاكوصت للتوثيق التابع لمنتدى الابحاث والدراسات تاكوصت بكلميم واد نون الذي ابى إلا أن يحتفي بالعلامة  الشيخ سيذي المختار الكنتي،  شيخ الشيوخ وقطب ذوي الرسوخ والذي اشتهر بالبراعة في العلم والصلاح والفضل وكثرة التآليف المفيدة النافعة، والتربية الحسنة، 
فلقبه الناس بشيخ الشيوخ وتاج الأجلة والبحر الخضم   “ذو البركات الشهيرات، و”شيخ الأشياخ” السادات”.وغير ذلك من الألقاب.
فمرحبا بكل المنتسبين إلى هذا الشيخ العلامة ،الهامة العالية والقامة التي عانقت القمة ، 
وتحية خاصة عطرة لمحبينا واحبتنا القادمين من مختلف الدول المشاركة والذي يعتبر هذا اللقاء فرصة لصلة الرحم بهم وبأصولهم  ،وربط الماضي بالحاضر لما كانت تتميز به العلاقة بين اجدادنا من قوة وعطاء . ومرحبا بقبيلة كنتة بيننا واهلا وسهلا بكل اعلام الفقه و التصوف من مختلف القبائل و الزوايا  ومن مختلف الدول الافريقية .
مما لا يخفى عليكم أن  الطريقة القادرية من أقدم و أهم الطرق الصوفية في إفريقيا جنوب الصحراء و قد قامت بدور هام في نشر الإسلام و الثقافة العربية الإسلامية،  وقد تفرع عن الطريقة القادرية فروع وزوايا منها الزاوية الفاضلية و مؤسسها  شيخي و جدي الاكبر محمد فاضل بن مامين ، 
 وفي  تلك الديار و الربوع  الطاهرة  كانت بالفعل المدرسة الكنتية قناة للتواصل بين المغرب و افريقيا  جنوب الصحراء، وهو ما  تعكسه  و تترجمه هذه الزيارة المباركة . 
ايها الحضور الكريم 
إن علاقة المملكة المغربية بعمقها الافريقي مكنها عبر التاريخ من  جعل رباط الاتصال عهدا لا ينقطع ،ووجود المغرب بتلك الربوع هو كما وصفه جلالة الملك امير المؤمنين محمد السادس ايده الله بنصره هو  وجه متعدد الأبعاد، يستمد تميزه من الأواصر الجغرافية، والروابط التاريخية، والأسانيد العلمية، والمسالك الروحية، والاشتراك بين المغرب وعدد من بلدان إفريقيا في الثوابت الدينية العقدية والمذهبية.
ومن تجليات الاستمرارية في رعاية هذه الوشائج: التواصل الدائم بين شيوخ الزوايا وبين ملوك المغرب، 
ليؤكد جلالته ان توجه المغرب نحو إفريقيا  هو وفاء للتاريخ المشترك وإيمان صادق بوحدة المصير، 
كما أنه ثمرة تفكير عميق وواقعي تحكمه رؤية استراتيجية اندماجية بعيدة المدى، وفق مقاربة تدريجية تقوم على التوافق.
فإفريقيا كانت وستظل في مقدمة أسبقياتنا. وما يهمنا هو تقدمها وخدمة المواطن الإفريقي،يضيف جلالة الملك.
وما هذه الزيارة الا تأكيدا على أن المغرب تجمعه مع العمق الافريقي روابط روحية ودينية كان لها  وسيبقى دور كبير في حدوث تراكم وتفاعل حضاري بينهما، حيث لعب المغرب دورا بالغ الأهمية في توطيد الصلات الروحية والثقافية بين شعوب ضفتي الصحراء، إذ ساهم أبناؤه في وضع لبنات الثقافة الإفريقية وشاركوا في إقامة صرحها من خلال توافد الطرق الصوفية من مراكزه الثقافية على بلاد إفريقيا جنوب الصحراء، بل إن هذه الزوايا شكلت في حد ذاتها إحدى مظاهر وتجليات الروابط والصلات الثقافية التي جمعت بين الطرفين والتي كانت لها انعكاسات إيجابية على الجانبين. 
احبنا الافاضل الاماجد ابناء عمومتنا ،وعزوتنا في ربوع افريقيا جنوب الصحراء ،نتمنى من هذه الزيارة التاريخية ان تكون لبنة في صرح مواصلة ما بدأه الاجداد من محبة راسخة و تقدير مفعم بنفحات التاريخ المشترك و الروابط الروحية ،
وكلنا طموح ان نواصل تبادل الزيارات ،
وهي مناسبة لنوجه لكم وللجهة المنظمة  دعوة رسمية لمشاركة المؤسسة فعاليات ملتقاها السادس في بحر شهر ماي من السنة القادمة كتاريخ اولي ، حيث شكل هذا الملتقى في دورات الخمس الماضية فرصة للتلاقي بمشاركة دولية وازنة وصلت عبر الخمس دورات السابقة سبعين دولة من مختلف القارات ، و سيكون حضوركم معنا قيمة مضافة للملتقى و فرصة لصلة الرحم بعلماء و مشايغ العالم و بالطرق و الزوايا بمختلف مناطق المغرب.
ايها الحضور الكريم ،
 لا تفوتني  الفرصة  لاتوجه بالتحية لمشايخنا وآباءنا  وابناء عمومتنا الذين قدموا من مختلف ربوع الوطن ليحضروا هذا المحفل الروحي تعبيرا منهم على بالغ التقدير و المحبة للقادمين من ربوع افريقيا جنوب الصحراء ،
وتحية عالية لأهل تزنيت وساكنة تزنيت التي تفتح ابوابها لكل القادمين من عمق الصحراء ، وشكر خاص اقيم زاوية شيخنا الشيخ ماءالعينين بتزنيت و لجمعية التعاون لإحياء التراث المشرفة على المركب العلمي على كل ما يبدلونه من مجهودات للرقي بهذا المركب الذي يخطو خطواته الأولى ليكون صلة وصل بين المغرب و عمقه الافريقي ،وصلة وصل بين الصحراء المغربية وباقي ربوع المملكة الشريفة .
فاهلا وسهلا بكم زوارنا الأكارم  ، تحفكم رعاية المولى في الذهاب والاياب و بركة الاولياء  تشملكم بالبركة و المحبة والعزة والأنفة ،
 وندعوا الله ان يجمعنا بكم قريبا و دوما على خطى الأجداد العارفين بالله ،والمتحابين في الله ،و المتعاقدين على شريعة الله 
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
رئيس المؤسسة الدكتور فؤاد مصطفى ماءالعينين ،