تنزيه الفاضليين الأطهار عن الوقوع في مستنقعات الفجار ٍ(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
إنه من المعلوم عند كل ممارس للعلوم، أن لكل فن مصطلحاته التي اتفق عليها أهله، ولا ينبغي لاحتجاج عليهم بمصطلح مفرغ من المعاني التي توخاها أهل ذلك الفن من وراء هذا المصطلح، ويعتبر ذلك إما جهلا أو تجاهلا.
وفي هذا السياق سقط من يسمون أنفسهم أهل السنة والحديث ودعاة الخير في هذه الورطة، فسمعوا كلاما يقتضي أن أحد الأولياء الصالحين وصف آخر بأنه يتصرف في الكون، ـــ مع أنني اطلعت على مصادر الفاضلية لم أجد ذكرا لما ذكره صاحب الكلمة، من أن الشيخ محمد فاضل أرسل ابنه الشيخ سعد أبيه لما بدأ يتصرف في الكون، بل هذا بعيد مما ذكره الشيخ سعدبوه في كتابه الاسنة النافذة من أنه تم تصدره لما شهد والده أنه بلغ رتبة من زكاة القلب وطهارته بحيث لم يعد يهتم إلا بعبادة الحق جل وعلاـ ممثلا ذلك في أن كل شعرة في رأسه صارت كأنها تذكر الله، بيانامنه لشدة اعتنائه بالعبادة وتملكها من جسمه هذا من باب الأمانة العلمية، ودفاعا عن أعراض أولئك الصادقين مع الله ــ .
إلا أن هذا المصطلح لا يمكن إنكار كونه من المصطلحات التي جرت على ألسنة بعض المتصوفة المتأخرين، بعكس المتقدمين منهم.
وعليه فينبغي تفكيك هذا المصطلح انطلاقا من المعنى الذي يقصده به أهل التصوف.
التصريف أو التصرف ـ نفس المعنى ــ في الكون المقصود به عند أهل التصوف المعنى المجازي، وليس على ظاهره الذي يفضي إلى أن أحدا صار يتحكم في الكون من دون الله؛ وذلك لأن المتصرف على الحقيقة هو الله تعالى، ومن اعتقد غير ذلك فقد كفرعند جميع أهل لإسلام، أما التصرف عند الصوفية فهو التصرف المجازي الذي يأتي بعد إذن الله سواء الإذن الكوني أو الشرعي، تماما كما استعمل الفقهاء مصطلح التصرف الذي عرف به خليل المالكي الشركة فقال " الشَّرِكَةُ: إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِمَا وإنما تصح من أهل التوكيل والتوكل"، واستعمال الفقهاء لهذا المصطلح في باب المعاملات معروف.
كذلك علم مصطلح الحديث فإن أهله استعملوا على المصطلح استعمالا شايعا عندهم وهو عندهم يدل في الإسناد والمتن، ومن ذلك قول السخاوي في شرح ألفية العراقي:" وإن اصطلح المتأخرون على التصرف في أسماء الرواة وأنسابهم بالزيادة والنقص، وبزيادة تعيين تاريخ السماع، والقارئ، والمخرج، ونحو ذلك" . إلى غير ذلك مما سطره بعض أهل الفنون.
أما أهل التصوف فقد عرفوا التصريف والتصرف بعدة تعاريف لا تخرج عن قانون الشرع، وإليك بعض هذه التعريفات
ـــ تعريف أبي المواهب الشاذلي 882هـــ، " التصريف أن يعطى للكامل إذنه فيما قَلَ وجَلَ من المضار والمنافع، ومن دونه يتصرف بالإذن بحسب النوازل و الوقائع ، ومن أعطى التصريف لا يخرج عن مشيئة الفاعل بالاختيار، ومن زعم غير ذلك حجبت عنه المعارف و الأنوار "
فانظر إلى هذا المعنى هل فيه ما يناقض الشرع من أي وجه؟ أليس حاصرا التصرف بإذن الله تعالى للمتصرف، وإن هذا الأصل مشترك بين كل الخلائق فأي حركة لإنسان أو مخلوق آخر أيا كان يصح التعبير عنه بأنه تصرف، إلا أن التصرف إن نسب إلى الاولياء فهو زيادة إمداد إلهي كمعية الله الشاملة لكل الخلق في قوله تعالى ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ وأما المعية التي ذكر في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾، فهذه معية اصفاء واجتباء.
ـــــــ تعريف فضيلة الإمام محمد بخيت المطيعي في فتوى له (مطبوعة مع كتاب : نفحات القرب والإتصال بإثبات التصرف لأولياء الله تعالى بعد الانتقال:
"ومن ذلك تعلم أن ما ظهر من التصرفات على يد الأولياء لا يخالف صريح القرآن، لأن هذا التصرف الذي ينسب للأولياء هو نوع من الكرامات وهو فعل الله وخلقه ، يظهره الله إكراما لهم، تارة بإلهام وتارة بمنام وتارة بدعائهم وتارة بفعلهم واختيارهم وترة بغير اختيار ولا قصد ولا شعور منهم، بل قد يحصل من الصبي المميز، وتارة بالتوسل إلى الله تعالى بهم في حياتهم وبعد مماتهم مما هو محكي في القدرة الإلهية".
ـــــــ تعريف التاج السبكي :
"إن من أنواع الكرامة مقام التصريف وأما ما يتعلق بما بعد مماتهم فقد تقدم أن كراماتهم لا تنقطع بالموت , ثم إن تصرف الأولياء في حياتهم وبعد مماتهم إنما هو بإذن الله تعالى وإرادته , لا شريك له في ذلك خلقا وإيجادا , أكرمهم الله تعالى به وأجراه على أيديهم وبسببهم خرقا للعادة تارة بإلهام وتارة بمنام وتارة بدعائهم وتارة بفعلهم واختيارهم وتارة بغير إختيار ولا قصد ولا شعور منهم , بل قد حصل من الصبي غير المميز"
فالتصريف إذا مصطلح مجازي ليس على حقيقته، ككل ما يصدر من الإنسان من تصرفات فهي مجازية لأن الفاعل على الحقيقة هو الله جل وعلا ، ورسخ الإمام ابن عطاء الله السكندري ذلك بقوله :" من نعم الله وفضله علينا أنه يفعل الأشياء وينسبها إلينا"؛ ومصداق هذا قول الله تعالى﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ﴾ وقال عن ملك الموت ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾.
وبعد تقرير هذا المعنى، فإن القرآن الكريم آياته واضحات بينات في أن الله تعالى إذا رضي عن العبد أكرمه الله بأن يعطيه كل ما تاقت له نفسه، تعجيلا له بالمعنى الذي قال جل من قائل في الجنة ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾،
فيكون إثبات هذا المعنى بإقامة دليلين الأول أن الله له أن يمنح عبدا من عباده حق التصرف في بعض أمور الكون، كما رأينا مع ملك الموت، وهذا المعنى أوضح من أن تقام الحجة عليه لأنه داخل في عموم القدرة، ومنه قول الحق جل وعلا ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.
الثاني : إخبار الله تعالى بوقوعه، فقد بين الله في كتابه أن من بين من أنعم عليهم بهذا النعيم نبي الله سليمان، الذي أعطاه الله التصرف في الكون بإذنه فسخر له مالم يسخر لغيهر، وكفى تبيينا لذلك ما في محكم القرآن الكريم {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾، وقوله ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ﴾ أليس في هذا نص صريح على أن لنبي الله سليمان التصرف في الريح كيف يشاء، وله التصرف في أن يهب من عطاء الله ما أحب لمن أحب، دون أي حساب.
كذلك نبي الله عيسى الذي أعطي التصرف التام في أمور أكثر تعقيدا مما رزق سليمان ، وهي أن يخلق من الطين الذي هو جماد طائرا ثم ينفخ فيه الحياة، ويرجع الكلام للأبكم يعيد خلقة الأبرص إلا الخلقة الطبيعية، وكذلك يعيد الحياة في من مات لكن لما كان كل ذلك بإذن الله، لم يكن مستنكرا يقول الله تعالى ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾، وأخال هؤلاء المنكرين تنتفخ أوداجهم بأن هذا وقع للأنبياء وأنه خاص بهم ولا ينبغي لغيرهم، قلنا إنه من المعلوم عند أهل الأصول أن التخصيص لا يثبت إلا بنص قطعي، وإلا فإن الأصل عدمه، وأين النص القطعي في أن ما أعطي للنبيين سليمان وعيسى عليهما السلام، هو من باب الخصوص؟.
أما من السنة فكثير جدا ذكر جواز ذلك، ووقوعه منه قوله تعالى فيما يرويه عنه رسوله عليه الصلاة والسلام: «أنا الله خالق كل شيء فمن أطاعني أطاعه كل شيء أنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون فمن أطاعني فيما أمرته ونهيته أجعله يقول للشيء كن فيكون» أخرجه صاحب كتاب الجمان.
وقوله أيضا: لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيه وإن تقرب إلي قربته وإن أتاني يمشي أتيته مهرولا،
يقول العلامة الشيخ محمد فاضل بن الحبيب في كتابه الضياء المستبين في كرامات شيخنا الشيخ محمد فاضل بن مامين معلقا على هذا الحديث
"فمن كان سمعه بالله ما ليس للحواس فيه مسمع ومن كان بصره بالله أبصر ما تشوف لبصر ومن كان بطشه بالله أيضا أبطش من شاء بما شاء كيف شاء، ومن كان مشيه به الله مشى كيف شاء لمن شاء ولا يتقيد من هذا حاله بوصف في أمر ما كما أن الله تعالى لا يقيد بشيء. اهـ.
قال الطوفي: اتفق العلماء ممن يوثق بهم أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الآلات التي يستعين بها. اهـ كلامه.
وهذا ابن تيمية يقول في كتاب النبوّات: (ص298): (وقد يكون إحياء الموتى على يد أتباع الأنبياء كما وقع لطائفة من هذه الأمّ) .
وقال في النبوّات: (ص218) وهو يستعرض معجزات الأنبياء: (فإنّه لا ريب أنّ الله خصّ الأنبياء بخصائص لا توجد لغيرهم، ولا ريب أنّ من آياتهم ما لا يقدر أن يأتي به غير الأنبياء.. كالناقة التي لصالح فإنّ تلك الآية لم تكن مثلها لغيره، وهو خروج ناقة من الأرض بخلاف إحياء الموتى فإنّه اشترك فيه كثير من الأنبياء والصالحين).
وفي مجموع الفتاوى (3: 156): (ومن أصول أهل السنّة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء ما يجري الله على أيديهم من خوارق العادة في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات كالمأثور من سائر الأمم.
ورحم الله الشيخ محمد المامي، حيث مدحه أحد محبيه بالكاف التالي
صدع الكون اتكد اطبو @@@ وال فيه اتكد اتريحو
والعبد إلى فلشو ربو @@@ فيديه ادير امفاتيحو
وكل هذا مخصص بقوله، في بيان أن كل مايقع ليس خارجا عن إذنه أبدا، قال تعالى: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾وقوله:{وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقوله ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾وقوله﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾
الشيخ سعدبوه الشيخ عبداتي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق