بقلم : الشيخ سعدبوه الشيخ عبداتي
لقد تبرع رجل الأعمال الكبير والمنفق الشهير والسخي والكريم والباذل والمعطي تاج قبيلته وبلده فضيلة الدكتور والباحث المحقق والسياسي المحنك الشيخ د. محمد الغيث بن الشيخ الحضرامي ، لأهلنا أهل غزة بفلسطين مبلغ 5.000.000 خمسة ملايين أوقية.
وإن هذه لفرصة للحديث عن شخصية وطنية وقامة أكادمية وسع بذله كل البلاد والعباد، وعن منفق تجد الناس متزاحمين أمام بابه منزله العامر بانواكشوط، كٌل يرجع لأهله وقد مُنح من الهدايا ما يسْتَعِفُ به عن سؤال غيره.
ومن المعلوم عند أرباب البلاغة والبيان وصف من يعُم معروفه كل البلدان بالغيث الذي يعم على أغلب البقاع فمن ذلك قول أحدهم
وَيُصِيبُ بالجُودِ الفَقِيرَ وَذَ الْغِنَى كالغَيْثِ يَسْقِى مُجْدناِ وَمَرِيعا
إلا أن فضيلة الدكتور محمد الغيث ليس ممن يوصف ذلك الوصف ، لأن السحاب قد تقتصر على بعض البقاع دون بعض، ولكن الشيء الوحيد الذي يعم كل حاضر وباد وشقي وسعيد هو الدهر ، لذا كان الأنسب والأبلغ وصف إنفاق الدكتور محمد الغيث بالدهر، فهو أحق بقول الشاعر
وَما هُوَ إلاَّ الدَّهْرُ تَأتِى صُرُوفُهُ عَلى كُلّ مَنْ يَشْقَى بِهِ وَيُعادِى
فليس ماقام به الدكتور محمد الغيث من التبرع لأهلنا في غزة إلا قطر من كثير من التبرعات سرا وجهرا، صاحبها لا يقصد إلا وجه الله والتحقق بقوله جل من قائل قَالَ الله تَعَالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92] وَقالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوامِنْ طَيِّبَاتِ مَاكَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلاتَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة:267]
فقد ورث د. محمد الغيث شيخَنا الشيخ محمد فاضل في خصلة السخاء التي كانت أكثر ما ميَّزه بين جميع أهل عصره، يقول العلامة محمد فاضل بن الحبيب ذاكرا في الضياء المستبين سخاء شيخنا الشيخ محمد فاضل : "أسخى الناس وأجودهم بالمعروف يسدي معروفه على القريب والبعيد والبر والفاجر.. ولقد رأيته يزداد بشرا للطامعين ما لا يزداد لغيرهم ولعمري لهو أحق بأبيات النابغة الذبياني من النعمان بن المنذر حيث يقول فيه:
فما الفرات إذا هب الرياح له
ترمي غواربه العبرين بالزبد
يمده كل واد مترع لجب
فيه ركام من الينبوت والخضد
يظل من خوفه الملاح معتصما
بالخيزرانة بعد الأين والنجد
يوما بأجود منه سيب نافلة
ولا يحول عطاء اليوم دون غد
ولهو والله أحق ببيت القائل:
تراه إذا ما جئته متهللا
كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ويروى أن عائشة رضي الله عنها كانت يوما جالسة بإزاء رسول الله وهو يخصف نعلا فالتفتت إليه وقالت له: والله يا رسول الله لأنت أحق ببيت أبي كبير الهذلي من ابنه تأبط شرا حيث يقول فيه:
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه
برقت كبرق العارض المتهلل
فتبسم وقال يا عائشة: ما يسرني بهذا حمر النعم.
وكان [شيخنا الشيخ محمد فاضل] يسدي على الأضياف ما لا تحصيه الألسنة بتعداد الأوصاف فكان يلقاهم بالطلاقة والبسطة ويحسن عليهم بما يشتهون من الفراش والبناء واللباس زمن البرد ويعاملهم بملذوذات المطعومات كما ينبغي.
وكان إذا اشتد الزمان وضاقت الأزمة أجود بمعروفه من الريح المرسلة فلا يأتيه ركب ولا وفد ويحب الرجوع من عنده لحسن ما يلقون عنده من كرائم المعاملات فلقد رأيتهم في زمن الغلاء وضيق المعاش كثيرا ما يمكث عنده الركبان العظام من أبناء الأشراف عربانا وزوايا وشرفاء وليس لهم هنالك غرض إنما يتجدد لهم كل يوم من إحسانه وطلاقة وجهه ما ينسيهم ما كانوا بصدده من أغراضهم، ولا يعتبرون ما يفوتهم من توفير أغراضهم فلعمري لهو أحق بأبيات الشاعر حيث يقول:
إذا الماعون أصبح حيث أمسى
وأمست حيث أصبحت الوطاب
يود الركب أن لدنا أقاموا
ثبيرا لا إياب ولا ذهاب
نفاوضهم لذائذ ما استلذوا
ونطعمهم أطاعم ما استطابوا
انتهى منه.
والحمد لله الذي أبقى لنا في ذريته من يقوم مقامه فيها، أطال الله بقاءه.
بقلم: الشيخ سعدبوه الشيخ عبداتي


