18 أبريل 2022

في ذمة الله، وأيّ شيخٍ فقدنا

-شيخي في ذمة الله، وأيّ شيخٍ فقدنا !



إِنّي لَأَعلَمُ وَاللَبيبُ خَبيرُ 

أنَّ الحَياةَ وَإِن حَرَصتَ غُرورُ

ماكُنتُ أَحسَبُ قَبلَ دَفنِكَ في الثَرى

أنَّ الكَواكِبَ في التُرابِ تَغورُ

ماكُنتُ آمُلُ قَبلَ نَعشِكَ أَنْ أَرى

رَضوى عَلى أَيدي الرِجالِ تَسيرُ

خَرَجوا بِهِ وَلِكُلِّ باكٍ خَلفَهُ 

صَعَقاتُ موسى يَومَ دُكَّ الطورُ.


إني لأجد نفسي من هول الصدمة لا تجد للحروف طريقا، ومن ألمِ المصاب لا تعرف للمعاني سبيلا، غير أنّ وفائي لشيخي وقدوتي وحبي له، أمران يفرضان عليّ أن أكتب عن جانبه السامي في هذا الوقت بالذات، إذ قال صلى الله عليه وسلم: {مَن أَثْنَيْتُمْ عليه خَيْرًا وَجَبَتْ له الجَنَّةُ ... أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ في الأرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ في الأرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ في الأرْضِ}.


لقد كان شيخنا الشيخ آياه بن الشيخ الطالب بوي، الخليفة العام للطريقة القادرية الفاضلية في غرب إفريقيا عابدا، منفقا، حليما، بل أوتي كلّ صفات مكارم الأخلاق، فإذا أردته من العابدين فهو المخبتُ الذي لايفترُ عن عبادة ربّه، وإذا أردته من المخلصِين تُـلْفِهِ -لعمري- موحدا كلّ التوحيد لله رب العالمين، واذا أردته صادقا فهو -لعمري- ذو الصدق الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، وإذا أردته من المنفقين فهو سحاب مرسلة، ولكأنه ممدوح دعبل الخزاعي حين قال:


هُوَ البَحرُمِن أَيِّ النَواحي أَتَيتَهُ..فَلُجَّتُهُ المَعروفُ وَالجودُساحِلُه

كَريمٌ إِذا ما جِئتَ لِلخَيرِ طالِباًّ ..حَباكَ بِما تَحوي عَلَيهِ أَنامِلُه

وَلَو لَم تَكُن في كَفِّهِ غَيرُ نَفسِهِ..لَجادَ بِها فَليَتَّقِ اللَهَ سائِلُه.


وإن مددت طرفَك حذو سؤدده، فهو لعمري السَـيّد،المِقدام، المُعـمُ، المخوَل، ولكأنه النعمان يوم مدحه النابغة الذبياني بقوله:


لَعَمري لَنِعمَ الحَيِّ صَبَّحَ سِربَنا

وَأَبياتَنا يَوماً بِذاتِ المَراوِدِ

يَقودُهُمُ النُعمانُ مِنهُ بِمُحصَفٍ

وَكَيدٍ يَغُمُّ الخارِجِيَّ مُـــٕـناجِدِ

سَبَقتَ الرِجالَ الباهِشينَ إِلى العُلى

كَسَبقِ الجَوادِ اِصطادَ قَبلَ الطَوارِدِ

عَلَوتَ مَعَدّاً نائِلاً وَنِـــــكايَةً

فَأَنتَ لِغَيثِ الحَمدِ أَوَّلُ رائِد.


لقد نال هذا الشيخ الجليل والولي الصالح بشائرا كثيرة في هذه الدنيا، منها تقديمه شيخا مُربيا في طريق القوم من طرف شيخيه وهو شاب يافع، ومنها التأييد التام من الله تعالى بالعلم والفتح والقبول والنصر المُـبين، ومنها أن اصطفاه الله تعالى لخلافة الطريقة القادرية الفاضلية، وهي لعمري منزلة عظيمة لايفوز بها إلا عين أعيان الخاصة، ثم أختاره الله إليه في رمضان المبارك، لتكون ليلته الأولى في دار الآخرة، هي ليلة غزوة بدر الكبرى، وتلك لعمري بشارة أخرى، أكرِم بها وأنعم.


وبهذه المناسبة الأليمة، لا يسعني إلا أن أرفعُ خالص التعازي والمواساة إلى أبناء شيخي وبناته ثم من خلالهم إلى كافة أفراد الأسرة الكريمة راجيا من الله تعالى أن تقبل الفقيد بواسع رحمته "مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا"، ويلهم الجميع الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.


أجارنَا اللهُ في مُصابنا، اللَّهمَّ اخلفه فينا خيرا واخلُفنا فيه خَيرًا، اللَّهمَّ إنه في ذِمَّتِك وحبل جِوارك فَقهِ من فتنةِ القبر وعذاب النَّارِ وأنت أهلُ الوفاء والحق فاغفر لَه وارحمهُ إنَّك أنت الغفورُ الرَّحيمُ، اللهمّ اجعله في بطن القبر مطمئنّاً، وعند قيام الأشهاد آمناً، وبجود رضوانك واثقاً، وإلى أعلى درجاتك سابقاً، آمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


-أخوكم: الولي ولد محمد ماء العينين ولد أبَّـاتنَ.

ليست هناك تعليقات: