الشيخ الدكتور بدري المداني
إمام جامع بالارمو بإيطاليا.
الملتقى الدولي السادس للفكر الصوفي عند الشيخ ماء العينين
أكدير / المغرب ..من 14 إلى 19 ماي 2023
-1- المقدّمة :
الحَمدُ لله الذي زَيَّن المصطفى بأعَزِّ الشَّمائِل والصِّفات، وشَرَّفَهُ بأفْضَل التَّجَلِّيات وأبْلَغ المُعجِزات، وأشْهَد أن لا إلَهَ إلا الله، وَحْدَهُ لا شَريكَ لَه، غَفَّار الذنوب والسَّيئات، وأشهد أنَّ سَيِّدَنا ومَولانا وقائِدَنا وحَبيبَنا وعَظيمَنا وشَفيعَنا مُحمَّدًا، سَيُّدُ الأبرار وأفخرُ المَخلوقات. اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وبارِك عَلى سَيِّدنا محمد وعلى آله وأصْحابِهِ وأتباعِهِ ومُحبِّيهِ إلى ما بَعدَ الدُّخول في أعْلى الجَنَّات.
يا زارعًا حُبَّ النبيِّ بـــقلبــهِ** أسقيتَ زرعكَ بالصلاةِ عليهِ
هـذا محمّدُ ما تشـوَّق عاشـقٌ** أحدًا كشوقِ العاشقينَ إليـهِ
يا من هُدِيتمْ بالنبيِّ محَمّدٍ ** سيروا بهدي نبيّكم تعظيماً
وإذا سمعتُم ذِكْرَه في مجلسٍ** صلُّوا عليه وسلموا تسليماً
بكبير محبّة ووابل الثناء نحيي أهل الشيخ ماء العينين وورثته ومؤسّسته هؤلاء الذين يشتغلون تحت ظلال العناية الملكيّة الوارفة أدامها الله وتحت الرغبة في التجديد وجمع أهل التصوّف على منصّات الأصالة والحداثة لبناء رؤية مستقبلية تنويرية ..وها نحن نحاول عبر هذه المداخلة في السير معهم في نفس هذا المنهج ونحن نرى العالم يعيش صراعا محتدما ونحن لا نريده بين الشرق والغرب، أو فيما بين الإسلام والغرب، أو فيما بين الهلال والصليب،أو فيما بين الكنيسة والمسجد أو فيما بين المادة والروح.
وباعتبار التصوّف جزء من الحياة الروحيّة للإسلام سواء على الصعيد الفردي أو جماعيا في شكل مدارس وطرق صوفيّة مختلفة لا يمكن أن ينفصل عن منظومة هذه الصراعات فالتصوّف اليوم بين خيارين أن يبقى متقوقعا في الزوايا سبحا وشطحا وذكرا وتبرّكا وتعلّما فقط أو يضيف لذلك فيقول أهله نحن هنا "ألسنا على حقّ ففيما الإختفاء" نحن جزء من هذا العالم ؟
ونحن على يقين بعيدا عن كثير جدال وتعداد المفاهيم بأنّ التصوّف هو مقام ثالث غير منفصل عن الدين الإسلامي لذا نعيش به اليوم وبه نجدّد حياتنا مع الله. ومن هذا المنطلق فالواجب اليوم وغدا يدفعنا للخروج بالتصوّف إلى معترك الحياة
و أن نتعايش معه وبه بآليات جديدة ليكون المدّ الصوفي
حيّا ولا تلعب به رياح المادة والخروج عن الجادة.
التصوّف اليوم يحتاج إلى تعديل وإصلاح من داخله وجهود لترهينه وليعود له ألقه السابق فيكون على أهله إجماع في التنظير والتطبيق ويكون الصوفيون مجدّديين روحيا واجتماعيا وثقافيا في مواجهة نظام الفكر الحديث رغم صعوبة الوقوف على حدّين مطلقين يعيش الإنسان بينهما أزمة روحية، العيش في فضاء الروحانيات والسعي لتحقيق التوافق والتوفيق بينه وبين الواقع أمر عسير .وها هي بعض الأبيات من تائية الشيخ "أبي حامد الغزالي"450 - 505هـ تعرب عن جذب النفس وصراعها ومراوحتها بين القطبين المتضادين المادة والروح .
فـلمـّا أحست بـالسماع بمـثلها * تـذكّرت العـهد القديم فـحنت
وحاولت التجريد عن عالم الفنا *إلى العالم الباقي الذي عنه شذّت
فجاذبها الجسم الزمام وأقبلت *** تجاذب فاهتزّت لذاك برقصة.
وهذا ما يجعلنا اليوم نجد أنفسنا نواجه إشكاليات عديدة ومعقّدة تغمرنا بسيول من وصلات شبكات الاتّصال المختلفة ، التي تلفظ زخما من المعلومات والمعارف والأنشطة الرقمية والتجارية ذات النزوع المادي الدنيوي، والتي بات معها المريد والشيخ والصوفي عموما في حرج، يعاني في سبيل تأسيس علاقة روحية عرفانية قلبية بمفردات لغوية خاصة ومتميّزة يضفي عليها شحنات دلالية غيبية وباطنية تترجم حقيقة ذوقه وتجربته . لم يعد تسمح للشعوب والأمم بل الأفراد في أن تعتزل في زاوية مسار أو مسلك أو طريقة أو زاوية ، لقد انفتحت شبكات التواصل على بعضها البعض مكرّسة الفرقة والاختلاف والتعدّد ،فلا يقوى الفرد على العزلة، فهو محاصر صباح مساء بكم كبير من الوسائط التي تفرض نفسها عليه مهيمنة ومتحكّمة في كيانه وسلوكه.تحدّد توجهاته ومقاصده ،مدمنا عليها وعلى خدماتها الدنيوية فلا يستطيع الفكاك منها ولا الاستغناء عنها وعن ملحقاتها .
إنّ فئة المريدين في عصر اليوم أصبحت تتوفّر على شروط علمية وثقافية تتجاوز أحيانا قدرات الزاوية الفكرية والدينية والثقافية .والزاوية بأساليبها التربوية التقليدية والإمكانيات القديمة والمحدودة الأفق ، قد لا تنهض دينيا وروحيّا بهؤلاء المريدين الشباب والكهول الذين قوْلب الواقع سلوكياتهم .يستعصي عليها التكفّل بهم ،وربما تعجز عن ترويضهم وتدريب قدراتهم ومعطياتهم الثقافية المعاصرة ذات المنزع المتشابك خصوصا عندما لا يردون إليها وهم صفحة بيضاء ، بل يأتون إليها وقد قولبتهم وعولبتهم وسائط الشبكة العنكبوتية .
المريد اليوم متعلّم وربما حامل لشهادة عليا له قدرات ثقافية يسأل ويتساءل ،يحاور ،يعترض ويعارض ،يحاجج كما حاجج إبراهيم الخليل عليه السلام أو أكثر .فهو فضولي لا يقبل الأمور على علّتها ، وقد يكون لشيخه كموسى عليه السلام لـ "الخضر" عندما لم يستطع صبرا على صبر .
والشباب المرشّح لأن يكون مريدا اليوم ،لا يتوانى عن المعاكسة والمشاكسة ،مما يلزمه ربما شيخا على شروط يكون لهم طريقا ومقصدا ومعبّرا بل هجرة إلى الله .شيخ معاصر لكن لا يخرج عن روح كلام الله وسنّة رسوله منفتح على النقاش والحوار والحجاج إلى أقصى الحدود ؟ فهل الطرق الصوفية مستعدّة في عصر الحداثة ولها القابلية والوسائل والإستراتيجية لتوفير شيوخ لا يكون المريد بين أيديهم كالميّت في يد غسّاله؟ بل شيوخ على شروط العصر تلازمهم هذه الشريحة فيتعهدونها وينهضون بها روحا وأخلاقا وآدابا. الشيخ اليوم بوصفه مرشدا ، دليلا ،معينا ،داعية ،ومبشّرا مطالب بخدمة هذه الشريحة لكن بمعونة ومعيّة نموذج تربوي ديني يلائم هذه الشريحة ولا يتركها نهبا وعرضة للتفسّخ والانحلال الذي يحاصرها في كلّ مكان وزمان إغراء وغرورا.
والسؤال الأخير.. هل نحن جاهزون لبناء تصوّف الغد وصوفي المستقبل ؟؟
-2- تصوّف الغد ..رفرف نحو القيم الإنسانيّة :
نحن على يقين بأنّ التُّراث الصُّوفيّ الإسلاميّ رصيد زاخر بالقيم والفضائل الإنسانيَّة، فأهل التَّصوُّف هم خاصة عباد الله، الذين صدقوا في عبوديتهم، وجاهدوا في تطهير نفوسهم ساعين إلى معرفة الله سبحانه؛ ليصلوا إلى مقام الإحسان في معاملة الخلق والخالق.
وإزاء ما نراه اليوم من تفاقم المشکلات المعاصرة بكلّ صورها فإنّنا نحسب التصوّف هو الرفرف الذي يحملنا نحو استرجاع القيم الإنسانيّة التي هي جملة القواعد المؤسسة للمنظومة الأخلاقية المتكاملة، والتي تعارفت عليها الفطر الإنسانيّة السليمة، والتي رُسِّخت، وتمَّ تأكيدها من الديانات، والأفكار الإصلاحية، والأعمال الفنية، والأدبية العظمى. تظهر القيم الإنسانيّة على أرض الواقع، من خلال التعاملات اليومية بين الناس، وهي تضمُّ طيفاً واسعاً من القيم والأخلاق الحميدة؛ كالصدق، والأمانة، والتعاون على الخير، وحبّ الآخرين، ومساعدة المحتاجين، والمودّة، والاهتمام بالناس، وتفقُّد الضعفاء، وإرساء العدالة، لذا وجب البحث عن السبيل المخلّص لتنمية هذه القيم الإنسانيّة المشتركة وهذه التنميّة تعتبر من أولى الأولويات لبناء مجتمعات قويّة، متماسكة، قادرة على تخطِّي العقبات المختلفة، والتأسيس لإنطلاقة قويّة نحو المجد، والرفعة.
وبما أنّ جوهر التصوّف هو التربية الروحية التي تستهدف مباشرة قلب الفرد، لأنه مكمن الصلاح والفساد في الإنسان،ولا يكون التوجّه نحو الله عزّ وجلّ إلاّ بالقلب المنيب "مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ"
وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: "ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب" .
لذا مبدأ التصوّف تأهيل القلب ليكون الصلاح داخليا والإصلاح خارجيا بما أنّ التصوّف بعيدا عن كلّ سبح أو أساطير هدفه الأساسي تربية الذوق، وزرع كلّ خلُق كريم في الإنسان، ومجاهدة النفس وتطهيرها، وتحليتها بكلّ جمال وكمال، وهذا أصل مكارم الأخلاق، حتى قيل: "التصوّف خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الصفاء"
ولذلك يقول ابن عطاء الله السكندري:"تشوّفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوّفك إلى ما حُجب عنك من الغيوب" .
ومع توفّر النموذج الصوفي الأمثل للفرد الصالح المُصلِح يتعدّى ذلك إلى المجتمع ومنه إلى العالم برمّته عبر القدوة الصالحة، من قبيل المساهمة في بناء المجتمع على أسس أخلاقية راقية ومتينة؛ لأنّ الأخلاق أساس بناء الحضارة وتقدّم البشرية نحو مستقبل أفضل، والصلاح والإصلاح مرتبطان ارتباطا وثيقا بالأخلاق، فالرسل عليهم الصلاة والسلام كان منطلقهم الإصلاحي هو الاهتمام بالجانب الأخلاقي، ونبيُّ الرحمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال:"إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق."
إنّ التربية على مكارم الأخلاق تستلزم مصاحبة الأخيار، وأهل الأخلاق الفاضلة، والجلوس معهم والتأدّب بآدابهم .
فعلى المريدين التمسّك بحسن الصحبة، وصِدق الأخوة ، فالشيخ المربي، المتخلّق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو القدوة، يأخذ عنه المريد الأخلاق عمليا، فتصبح سلوكا وحالا، وهذا هو أثر الأخوّة الصادقة، والرفقة الحسنة .
فالصوفي إذن، هو الذي يبذل كلّ ما في وسعه ليكون من السبّاقين للخير، ويسخّر جهده في العمل الصالح، يروم الارتقاء في الكمال الخلقي، يضع نصب عينيه مصلحة مجتمعه ومحيطه فيجعلهما من أولى أولوياته.
التربية الصوفية تربية أخلاقية بالأساس، تعدّ من أنجع وسائل العلاجات للمشكلات المجتمعية، وذلك عن طريق تبني التحرّر من الشهوات الدنيوية المادية، التي تشكّل أهم أسباب شقاء الإنسان، ومانعا من موانع الشعور بالطمأنينة التي تمثل المقصد الأسمى الذي يبتغيه كل إنسان، فالتربية الصوفية عمل متواصل لتحرير الإنسان من هوى نفسه وتحكم غرائزه، فهي تسهم إلى حدّ كبير في تخليق الحياة الخاصة، فضلا عن الحياة العامة، بحيث تزرع في روح الإنسان معاني الطمأنينة والجمال والقيم النبيلة، وتحدّ من تهافت النفس وراء إشباع رغباتها ونزواتها غير المشروعة، والتي تضرّ بمستقبلها، وقد يتعدّى ذلك الضرر إلى مستقبل الإنسانية جمعاء.
إنّ التصوّف الذي يتّسم بالوسطية والاعتدال في مشربه الفكري وتجاربه الروحية والأدوار التي تلعبها المؤسسات التي تمثله، لا يمكن اعتباره مجرّد حالة معرفية وجدانية وحسب، بل هو تجربة وخبرة إنسانية وحمولة تراثية، تتميز بالصفاء الروحي والقيم الأخلاقية التي ترقى إلى قيمة المواطنة الفاعلة،.
وإنه من الضروري إعادة التذكير بأهمية التصوّف الوسطي المعتدل، والحاجة الملحة إليه في عصرنا، حيث يجب إبراز حاجة الأمة إليه لتعزيز خصوصياتها وهويتها، فهو الكفيل بترميم التصدّعات، حيث يعمل على ترشيد السلوكات وتصحيح التصورات والانفتاح والتسامح ونبذ التطرّف والعنف والتعصب.
ومن جهة أخرى فالتصوّف حمولة معرفية وتراثية، توثّق وترسّخ قيم الهوية الوطنية وثقافة التعايش ومحبة الآخر والتسامح والحوار، ويعمل التصوّف على تنمية روح الانتماء للوطن والمساهمة في كلّ ما من شأنه المحافظة على مكتسباته، واستقراره ووحدته الترابية،كما يمكنه أن يقدّم نماذج قائمة سبق لها وأن لعبت هذه الأدوار وارتقت بالعمل الصوفي إلى مصاف الفعل الوطني والفعالية الوطنية الإيجابية، والوقائع التاريخية تثبت بأنّ الزوايا لعبت دوراً كبيراً في تاريخ بلداننا والمساهمة في إرثها الوطني،.
بالتأسيس على هذه الأرضية يصبح التفكير الجاد في أخلقة الإنسان المعاصر والبحث في كيفيات إدماج المستجدّات على مستوى البحوث وعلى مستوى الأحداث، لتحديث التصوّف وتجديد روحه ودفعه نحو تقديم مساهمته الفعالة وإشراكه في حلّ قضايا العصر عن طريق الأبحاث الجادة لصياغة خطاب صوفي بآليات ومفاهيم مُواكِبة للعصر وقادرة على إشراك فعاليات المجتمع المدني، لجعله خطاباً متفاعلاً ومتغلغلاً في الحياة الحاضرة، وملامساً للقضايا المطروحة والإشكاليات الراهنة، بل ويساهم في حلّها وتقديم أنجع الحلول لها.
وعلينا في هذا الملتقى وفي كلّ اجتماع لأهل التصوّف السعي الدؤوب والمشترك للتعريف بدور التصوّف في نشر القيم الأخلاقية السامية ونشر ثقافة الإنتماء والاعتراف بالحقوق وأداء الواجبات.وأهميّته في التوعية وإذكاء روح المواطنة وتحريك الفعاليات الوطنية.والسير بهذا الفكر إلى مصاف المستجدات العالمية والقيم الانسانية من تسامح وحوار وتعايش والتي تعترف بحقوق الإنسان والمواثيق الدولية.
-3- الخاتمة والدعاء :
صفوة القول، التصوّف تربية روحيّة أخلاقيّة، كفيلة بتوجيه الإنسان نحو طريق الهداية، والسمو الأخلاقي، والرقي في مدارج السالكين، وبهذا يمكن للتربية أن تسهم في بناء قيم المواطنة، وإعادة ترسيخ الأخلاق في المسلم المعاصر كي لا ينجرف مع آفات النفس والهوى.
يا الله يا مجيد، يا الله يا كريم، يا برّ يا رحيم، يا الله يا قوي يا متين، هب لي من رحمتك ما أحمَدك به فأكون من المؤمنين، وارزقني من لطائف العزّ ما أكون به قويًّا متينًا حاملًا محمولًا في العالمين، وهب لي من كرمك ما أكون به برًّا تقيًّا من الصالحين، يا رحيم يا لطيف، الطف بي لطفًا لا يدركه وَهْمُ الواهمين.
إلهي، وجدتك رحيمًا حيث لا أرجوك، فكيف لا أجدك ناصرًا وأنا أرجوك! من لي إذا قطعتني! ومن لي إذا لم ترحمني! فصِلْنِي من حيث تعلم ولا أعلم؛ إنك على كلّ شيء قدير. إلهى طلبتك وطلبت الخلق إليك فأعنى على الوصول والتوصيل إليك واجمعنى واجمع بى من تشاء عليك . اللهم إنّا نسألك حسن الأدب عند إرخاء الحجاب برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
سبحان ربّك ربّ العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق