09 فبراير 2011

الطرق الصوفية

أسهمت الطرق الصوفية في غرب إفريقيا بشكل كبير في تشكيل تاريخ هذه المنطقة، وفي تثبيت الإسلاملام فيها، والوقوف في وجه الاستعمار والتنصير؛ حيث لعبت أدوارا متعددة على عدة صعد. ففي الجانب الديني التعليمي عملت من خلال كتاتيبها على نشر وترسيخ تعاليم الإسلام، وكان لها دور اقتصادي من خلال إدارتها للمشاريع الاقتصادية الزراعية في الغالب، هذا بالإضافة إلى الدور الكبير الذي قام به عدد من شيوخ تلك الطرق في محاربة الاستعمار، وفي بلد مثل موريتانيا كان يطلق عليه "بلاد السيبة"؛ بسبب عدم وجود حكام لها كانت الطرق الصوفية تقوم بعدد من مهام الدولة. هذه الأدوار الفاعلة والمهام الإيجابية للصوفية في الغرب الإفريقي لا يعني أن صفحاتها كانت بيضاء وخالية من المآخذ والمثالب فقد أخذ الكثيرون على هذه الطرق وقوعها في بعض القناعات والسلوكيات التي لا تتوافق وصحيح الإسلام، كما عاب البعض على بعض الطرق الصوفية في الغرب الإفريقي انجذابها غير المعهود إلى المجال السياسي ودخولها في صراعات حادة أدخلت بعض البلدان في أتون التأزم. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى حرب "شرببة" التي جرت وقائعها في أواخر القرن السابع عشر، ودارت بين الزوايا من جهة وأمراء ضفتي السنغال من جهة أخرى؛ حيث أعلنها شيوخ الزوايا بقيادة الإمام ناصر الدين جهادا من أجل الدفاع عن ركن الزكاة ولإقامة الدولة الإسلامية، وإن كان ينظر إلى هذه الحرب من قبل العديد من المؤرخين على أنها حرب سياسية على النفوذ في تلك المنطقة الخصبة بين أهل صنهاجة متمثلين في أصحاب الزوايا والعرب من بني حسان. وللتعرف بشكل أكثر تفصيلا على هذه الطرق وأدوارها نقدم هنا خريطة لأهم الطرق الصوفية المتواجدة في منطقة الغرب الإفريقي. الطريقة التيجانية الطريقة القادرية الطريقة المريدية الطريقة الشاذلية الطريقة النقشبندية الطريقة الصديقية الطريقة الغظفية الطريقة التيجانية ibrahim_nyasهي الطريقة الأقوى في إفريقيا الآن، ومن أساطينها الكبار شيخ الإسلام إبراهيم نياس من السنغال، الذي ألف الكثير من المؤلفات، وكانت له صولاته وجولاته مع الفاتيكان، وعمل بقوة في سبيل محو الفرنسة والماركسية التي عاصرها في الخمسينيات والستينيات، وأدخل ملايين الناس إلى الإسلام في غانا وفي نيجيريا. القطب الآخر للتيجانية في غرب إفريقيا هو التيجانية الحافظية التي توجد في النباغية، وشيخها العلمي الحالي في موريتانيا هو الشيخ اباه ولد عبد الله. ولدى التيجانية الحافظية في موريتانيا كذلك محظرة كبيرة ينهل منها الجميع وفيهم السلفيون. ومن رموز التيجانية في الغرب الإفريقي كذلك الشيخ سيدي الحاج مالك سي الذي توفي 1922 في السنغال، وكانت نظرته للاستعمار نظرة مقاصدية تتبنى عدم الصدام، ولكن تتبنى الإصلاح من الداخل، وقد أصلح المدارس الإسلامية وأقام المشروعات الزراعية، وكون قواعد شكلت مصدات حقيقية في وجه الأمواج العاتية لمخططات التنصير والاستعمار ولا تزال حتى اليوم تحمل مشعل الإصلاح التربوي والمعرفي وخدمة اللغة العربية في السنغال، وحاضرة أتباع الحاج مالك سي توجد في تواون بالسنغال. الحاج مالك سي malikوقبل كل هؤلاء كان الشيخ عمر الفوتي في القرن 18 الذي حاول تجسيد الدولة الإسلامية في كل من غينيا ومالي والسنغال ومنطقة الفوتا على ضفاف نهر السنغال، ومنه استمد الحاج مالك شي ومشايخ التيجانية من بعده وقد أشعل الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي والوثنين، وقد وصل صدى مقاومته إلى نيجيريا. ومن كبار مشايخ التيجانية في موريتانيا الشريف الشيخ أحمدا حماه الله الذي قام بدور كبير في النضال والممانعة ضد الاستعمار، وينتشر أتباعه في عدة دول في مالي وموريتانيا وبركينا فاسو وكوت دي فوار وفي السنغال. وكانت السلطات الفرنسية قد نفت هذا الشيخ إلى ساحل العاج ثم وهران بالجزائر ثم فرنسا؛ حيث توفي في موري سون عام 1943، وتعتبر الحموية أحد الروافد الكبيرة التي خلقت حولها مناظرات ومجادلات بين التيار الفقهي والتيار الصوفي نتج عنها فكر وكتابات تظهر قوة بنائها العقدي، وما كان في العصر الوسيط من تضاربات بين المدرسة الفقهية والمدرسة الصوفية. وكان الشيخ من آل البيت الذين كانوا في الغرب الإفريقي من حملة لواء المقاومة، وكانوا كذلك من قادة التيارات الصوفية، وشكلوا رباطات التف الناس حولها، وقال عنه دسمرت حاكم المستعمرات الفرنسية في غرب إفريقيا (إذا ترك هذا الشيخ لخمس سنوات أخرى حيا فسيحول الأفارقة إلى محمديين). الطريقة القادرية كان للقادرية الصدارة في الغرب الإفريقي من حيث عدد الأتباع ولكنها الآن تأتي في المركز الثاني بعد الطريقة التيجانية. يوجد للقادرية في الغرب الإفريقي فرعان؛ الفرع الفاضلي والفرع البكائي الذي وصلت بوادره الأولى للمنطقة عندما قدم عبد الكريم المغيلي (المتوفى عام 1532) من منطقة توات بالجزائر، فهو الذي أوصل الطريقة إلى منطقة حوض نهر السنغال في القرن الخامس عشر، وهي من أوائل الطرق التي وصلت إلى هذه المنطقة. وقد أخذ سيد أعمر الشيخ جد الشيخ سيدي المختار الكنتي قطب القادرية الأبرز في موريتاينا من المغيلي الطريقة وجدد الأوراد على الإمام السيوطي. elshi5_s3eed_bowوانتشرت هذه الطريقة في منطقة جنوب الجزائر وجزء من المغرب ومنطقة الصحراء الكبرى ومالي وموريتانيا، وامتدت حتى السنغال، ومن كبار شيوخها في تلك المناطق الشيخ سيديا الكبير الذي عاش في منطقة بتلميت بموريتانيا، وساهم في إنضاج نظرية إعادة توزيع الدخل. وصلت القادرية البكائية كذلك إلى نيجيريا، وأصبح وهجها كبيرا عند أحمد وبلو وعند الشيخ عثمان بن فوديو الذي جاهد الإنجليز وكان قادريا يمثل امتدادا للمدرسة القادرية البكائية، وأغلبية فرع المدرسة القادرية البكائية من "كنتة" أو "كناتة" وهي قبيلة معروفة. الفرع الآخر في الطريقة القادرية هو الفرع الفاضلي، نسبة للشيخ محمد فاضل ولد مامين وهو من الأشراف. والقادرية الفاضلية لها فرعان؛ فرع في المغرب وشمال موريتانيا، وهو فرع أهل الشيخ ماء العينين، وأبناء الشيخ محمد فاضل بن مامين وإخوانه. والفرع الآخر في الجنوب على حوض نهر السنغال مشيخة الشيخ سعد بو ولد الشيخ محمد فاضل بن مامين. والشيخ سعد أبيه كان يأخذ بالمدرسة المقاصدية في التعامل مع الاستعمار الفرنسي، ويرى أن الخطر داهم لا راد له، وبالتالي تعامل معه بحكمة خشية من تلاشي ما تبقى من رسم ووسم الإسلام. بينما شن أخوه الشيخ ماء العينين في المغرب على الاستعمار حربا شعواء هو وأبناؤه من بعده، وينسب لابنه الشيخ محمد الهيبة قيامه هو وأتباعه وتلامذته من الشناقطة الموريتانيين والمغاربة بتحرير مراكش من الاستعمار الفرنسي عام 1913، فقد تبنوا النظرة الفقهية الداعية إلى الجهاد ضد الاستعمار حين يداهم بيتا من بيوت المسلمين. sidyوهذه المدارس الصوفية كانت مدارس إعادة توزيع دخل وإصلاح اجتماعي، خاصة في موريتانيا التي كان يطلق عليها "بلاد السيبة"؛ حيث لم يكن لها حاكم، ولم تكن بها سلطة، وكانت الزوايا والطرق الصوفية هي التي تحكم وتدير شئون البلاد وتحمي المحاظر "الكتاتيب"، فكانت الصوفية ممثلة الإسلام في تلك المناطق. ويتولى زمام القادرية في غرب إفريقيا الآن أبناء مشايخها التاريخيين الكبار من أمثال الشيخ سعد بيه والشيخ سيدي المختار الكنتي، فعلى سبيل المثال يتولى أحد أحفاد الشيخ مختار الكنتي، وهو الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ، إمامة زاوية سيدي المختار الكنتي بنواكشوط التي تقوم بلعب أدوار مهمة في موريتانيا. ومن المؤسسات القادرية الناشطة في المنطقة حاليا زاوية الشيخ ماء العينين التي تعتبر موريتانية الأصل والمنشأ على الرغم من أن تواجدها الأكبر في المغرب، ولها ديوان كبير من خلال مؤسسة الشيخ مربيه ربو ولد الشيخ ماء العينين للتراث في المغرب، وتعتبر البودشيشية في المغرب أهم روافد القادرية الفاعلة. وللقادرية في نيجيريا مؤسسات اجتماعية وبحثية كبيرة، ومن أهم أسرها هناك أسرة الشيخ عبد القادر مالم كبرو، وله أتباع كثر. وتمر القادرية الآن بفترة ركود كبيرة؛ حيث انتهى عصر رموزها، ولكن الوهج الصوفي يتفاعل الآن من جديد، وشغف أبناء المتصوفة الآن بالعلم الشرعي وتدافعهم لينفضوا عن التصوف غبار تصرفات الأتباع بغير علم تدفعنا للقول بأنه ستظهر عما قريب رموز صوفية جديدة مجددة. الطريقة المريدية shi5تأسست الطريقة المريدية أواخر القرن التاسع عشر على يد الشيخ السنغالي أحمدو بمبا، وتعتبر نوعا من الثورة والتجديد داخل التصوف في فترة الاستعمار من أجل النهوض والإصلاح والتجديد. وهي طريقة قامت على مواجهة الاستعمار الفرنسي وتنحصر في الغالب في السنغال، وقد يصل عدد أتباعها إلى حوالي 3 ملايين من الشعب السنغالي، وهي أكبر الطرق انتشارا في السنغال، ولكن ربما لو احتسبت جميع أفرع التيجانية في السنغال تضاهي المريدية من حيث عدد الأتباع. وعاصمة الطريقة المريدية مدينة طوبى ثاني أكبر مدن السنغال وبها الخلافة العامة للطريقة المريدية، وضريح الشيخ بمبا، والجامع الكبير ثاني أكبر جوامع إفريقيا، بالإضافة إلى عدد كبير من المدارس والزوايا كمعاهد الأزهر الإسلامية التي خرجت الآلاف من الطلبة في جميع أنحاء السنغال، ويستخدم الحرف العربي في جميع أرجاء "طوبى"، ولا يوجد للحرف اللاتيني فيها أي حضور. وللطريقة المريدية نشاط اقتصادي كبير، فهي عاملة منتجة خاصة في مجال الزراعة، كما يدير أتباعها عددا كبيرا من المدارس والمعاهد والمستشفيات. وتلعب المريدية دورا لا يستهان به في الجانب السياسي، ويكفي القول هنا إن الرئيس الحالي للسنغال عبد الله واد من أتباع الطريقة المريدية التي قامت بدور كبير في المساهمة في إيصاله للرئاسة عبر حث أتباعها على التصويت له ضد الرئيس السابق عبدو ضيوف الذي فقد دعم المريدية نتيجة سياساته العلمانية. وللمريدية ارتباط كبير بموريتانيا؛ إذ إن الاستعمار الفرنسي نفى الشيخ أحمدو بمبا إلى موريتانيا، ولها أتباع في موريتانيا، ولها تواجد في دول أخرى في المنطقة، ولكنه ليس قويا. الطريقة الشاذلية تواجد الشاذلية في الغرب الإفريقي -وتحديدا في موريتانيا- قديم، وربما يعود لأربعة قرون، وليس أقدم منها في أرض الصحراء إلا القادرية، بل إن بعض الباحثين يرى أن الشاذلية أقدم من حيث الوصول. والمدرسة الكبرى للشاذلية هي للشريف الحسني الإدريسي أبو الحسن الشاذلي في المغرب في منطقة شاذلة. والإمام الشاذلي مؤسس المدرسة الشاذلية الصوفية الكبرى التي تفرعت إلى موريتانيا ومصر وغيرهما، وأثر التصوف الشاذلي أو تصوف الغرب الإسلامي تأثيرا كبيرا في مصر وفي منطقة المشرق الإسلامي، وقد كان الإمام أبو الحسن الشاذلي في الإسكندرية والسيد البدوي وأبو العباس المرسي كلهم من أتباع المدرسة الشاذلية. والشاذلية تأتي من حيث الانتشار في الغرب الإفريقي بعد التيجانية والقادرية؛ لأن الشاذلية طريقة الفقهاء، وبالتالي لا يتسنى لأي أحد أخذ الورد الشاذلي. وتوجد عدة فروع للشاذلية في الغرب الإفريقي منها الشاذلية الناصرية التي أسسها محمد بن ناصر الدرعي الذي أوصل أتباعه الطريقة إلى موريتانيا، ومن أهم رموز الناصرية الشاذلية لمرابط محمذن فال ولد متالي الذي توفي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وكان أحد أساطين العلم والفقه ومؤلف الكثير من كتب تفاسير القرآن الكريم. الطريقة النقشبندية تواجد الطريقة النقشبندية قليل جدا في الغرب الإفريقي، ولا تكاد توجد إلا في موريتانيا والكاميرون؛ لأنها طريقة الفقهاء في تهذيب الأرواح، وكان وردها يعتبر من حظ الفقهاء فقط، ولا ينبغي لأحد آخر أن يأخذه. وقدمت النقشبندية خير مثال على دور الصوفية في نشر وحماية الإسلام في الغرب الإفريقي. ومن أهم الأسر النقشبندية في الغرب الإفريقي أسرة الشيخ محمد ولد محمد سالم أسرة الفقهاء التي كانت جامعة متنقلة كما وصفها أحدهم. ومن أبناء هذه الأسرة وزير الشئون الإسلامية الحالي في موريتانيا. الطريقة الصديقية هي طريقة صغيرة الحجم في موريتانيا قادمة في الأصل من صعيد مصر؛ حيث قدم مؤسسها سيدي محمد الشريف من الفيوم بمصر حفظ القرآن على عبد المنعم الفيومي. وتقوم الطريقة الصديقية على كتاب "الغنيمة" الذي يعد دستورها، وتوصي بالصبر وبر الوالدين والإحسان إلى الناس وغير ذلك، ولها وردها الخاص بها، ومن رموزها اليوم الشيخ علي الرضا المقرب من النظام الموريتاني الحالي. الطريقة الغظفية bihتمثل هذه الطريقة مزيجا بين الطريقة القادرية والطريقة الشاذلية، ومن أهم مؤسسيها الشيخ محمد الأغظف الداودي. والغظفية طريقة خاصة بموريتانيا لم تستورد من خارجها، ولم تأت من خارج السياق الصحراوي. وتركز الغظفية على العمل والإنتاج والتقشف والجلد، ولم تكن تتعامل أو تتاجر مع المستعمرين، وبالتالي كانت تعيد استغلال واستثمار كل المتاح. وهكذا ركزت هذه الطريقة على العمل في المقام الأول، ثم الجانب الاجتماعي. وكان من أتباعها المجاهد الكبير الشريف سيدي ولد مولاي الزين الذي قتل كبولاني الحاكم الفعلي للاستعمار الفرنسي قائد القوات التي احتلت موريتانيا 1905، ثم بعد ذلك تفتت وتشردت بفعل مناهضتها للاستعمار، وهاجرت عن موريتانيا فدخلت بيوتا شنقيطية في السودان وفي تركيا والأردن، وما زالت موجودة إلى الآن في بيوت أهلها يذكرون أصولهم الموريتانية، ولا يزالون يحتفظون بأوراد وطقوس الطريقة الغظفية وبنسقها الاجتماعي، وقد انحسرت الآن في موريتانيا ويتركز وجودها بشكل كبير في المناطق الشرقية. ومن أكبر ممثليها ومشايخها الشيخ عبد الله بن بيه نائب رئيس اتحاد علماء المسلمين، الذي ورث المشيخة والمريدين والورد عن أبيه، ومن مشايخ هذه الطريقة في موريتانيا أسرة الغزواني التي ينتمي لها قائد القوات المسلحة الجنرال محمد أحمد ولد الغزواني.

هناك تعليق واحد:

اشبيهن ول عبداتي يقول...

جزاك الله خيرا يا الشيخ سيدي عثمان على هده المعلومات