17 سبتمبر 2008

الحرك الصوفية

ربما نكتفي بما سبق عن نشأة الحركة الصوفية ، والمفهوم الأصيل لمبادئها التي ، دعت إليها ، وفي هذه العجالة سنحاول المرور بتبسيط - أرجو ألاَ يكون مخلا - على الدور المشهود الذي قام بيه هؤلاء الدراويش - كما يحلو للبعض تسميتهم - والكلمة (( تركية )) بمعنى : ( الفقراء ) في نشر الإسلام الحنيف ، وحضارته الراقية في أصقاع مختلفة من العالم . من المعلوم - تاريخيا - أن الإسلام أنتشر في أجزاء كبيرة من بلاد الصين، وإندونيسيا، ودول جنوب شرق آسيا، وكل مناطق؛ شرق.. ووسط .. وجنوب إفريقيا ... وكذلك أغلب مناطق إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى نطاق الغابات الاستوائية ، أنتشر الإسلام في كل هذه البقاع بواسطة جهود رجال الحركة الصوفية الذين رافقوا القوافل التجارية التي كانت ترتاد المراكز التجارية الموجودة في هذه المناطق ، وقد تجاوز هؤلاء مرارا النقاط القصوى للقوافل التجارية ، وتوغلوا إلى عمق الغابات الإفريقية ، والآسيوية . ومن يدرس تاريخ هذه البلاد قبل الاستعمار الغربي يلمس الجهد البناء الذي بذل هناك ... وبالمثال يتضح المقال ، اقرأ ما كتبه الرحالة العرب الأوائل : ( ابن بطوطة .. والبكري .. وحسن الوزان : ليون الإفريقي .. ) وقد زاروا المنطقة واختلطوا بأهلها ، واستضافهم ملوك ، وأباطرة البلاد ، وعايشوا الجالية المسلمة عن قرب ، واقرأ - أيضا إن شئت - ما كتبه المستكشفون الأوروبيون الذين جالوا في البلاد تمهيدا للاستعمار ( بل الإست خراب ) ، ومسحوا المنطقة بحثا ، واستكشافا ، ورسموا خرائط لطرقاتها ، وسبلها ، ومدنها العامرة ، وكتبوا دراسات مستفيضة عن سكانها والعناصر السكانية المؤثرة فيها وستجد ما يذهلك عن نشاط هؤلاء الدعاة الدراويش - المتجولون - هناك . ومما سجلته أقلام الأوروبيون - على سبيل الاستغراب والدهشة - أنهم وجدوا اللغة العربية هي اللغة السائدة في هذه البلاد الإفريقية ، حتى أن إداراتها الرسمية كلها كانت تسيير أمورها بالعربية . ومما يشهد لذلك أن أغلب المعاهدات التي كتبت بين حكام البلاد ، مع المحتل الغربي كانت مكتوبة بالعربية وهي موجودة حتى الآن بعضها في الأرشيف ( المحفوظات ) الفرنسية ، وبعضها في دور الوثائق الوطنية ، وكذلك كان الأمر في شؤون الناس الدينية ، والاجتماعية ، في كلها كانت العربية حاضرة في صغيرها وكبيرها ، وتشهد على ذلك صيحات التحذير التي أطلقها بعض المستشرقين الذين اطلعوا على أحوال المنطقة :أنه إن لم تسارعوا إلى إحكام السيطرة على القارة الإفريقية فستتحول بعد كذا ( زمن حددوه )) .. إلى قارة مسلمة بالكامل !!!. وفي المجمل لا يستطيع باحث منصف في تاريخ القارة الإفريقية ، ومنطقة جنوب شرق آسيا - الحديث ، والمعاصر - أن يغفل الدور الإيجابي للحركة الصوفية فيهما ؛ ففي إفريقيا - مثلا - كان رجالات الصوفية هم محرك ، ومحور الحركات الإصلاحية ، وكانوا الدعامة الحقيقية للجهاد ، ومقاومة الغزاة ، والمحتلين ، ولا يمكن - أبدا - فهم تاريخ أفريقيا الحديث بعيدا عن حركات التصوف الجهادية فيها . وخذ على سبيل المثال الأمير/عبد القادر الجزائري في ( الجزائر في القرن التاسع عشر الميلادي ) وما قام بيه من دور مشهود في مقاومة الاستعمار الفرنسي في بلاده .. وهو( قادريا وكان والده شيخ الطريقة القادرية في منطقته ) وخذ أسد الصحراء الشيخ المجاهد / عمر المختار، ودوره العظيم في حمل لواء المقاومة ، وإذكاء شعلة الجهاد ضد الغزاة الإيطاليين في بلاده بل واستشهاده بأيدي الأعداء مشنوقا في ميدان عام ، وهامته كالطود الأشم تأبى الذل والرضوخ للغزاة الظلمة وأعوانهم من المتخاذلين ، برغم ما عرض عليه من حلول توفيقية مع العدو فرفضها بلا تردد وأبتها نفسه العظيمة بشموخ وتحدي ( وكان أحد مقدمي الطريقة السنوسية في بلده ليبيا ) . والشيخ المجاهد/عابدين الكنتي ( قادري ، وهو أحد أحفاد الشيخ / سيد المختار الكنتي الفهري ، شيخ مشايخ القادرية في بلاد السودان ومنطقة الصحراء الكبرى ) وقد قاد الشيخ / عابدين الكنتي الجهاد والمقاومة ضد الغزاة النصارى في أكثر من قطر ؛ فقد جاهد مع الليبيين ضد الإيطاليين ... وجاهد في الجنوب الجزائري ضد الفرنسيين ... وجاهد في موطنه الأول الذي عرف لاحقا ( بدولة مالي الحالية ) ضد الفرنسيين ، .. وجاهد كذلك ضد الفرنسيين في المملكة المغربية ، حتى توفي هناك وله ذرية باقية إلى اليوم في المغرب وله أحفاد وذرية باقية في مالي أيضا ... والشيخ / سيدا لأمين بن عابدين الكنتي ، الذي قاتل جنبا إلى جنب مع والده - في أغلب الميادين - ضد الغزاة الأوروبيين حتى سقط شهيدا في ميدان معركة العزة والكرامة والجهاد . والشيخ المجاهد"" الشيخ ماء العينين الشريف القلق مي ، ( وهومحمدالمصطف ابن شيخ محمد فاضل بن مامين، وهو شيخ مشايخ - لطريقة لقادرية عرفت فيما بعد بالطريقة العينية نسبة إليه ) وهو من المقاومين والمجاهدين العظام الذين قاتلوا على أكثر من جبهة ، فقد حارب الغزاة في بلاد شنقيط .. وفي الصحراء الغربية ( الساقية الحمراء ووادي الذهب ) .. وفي المملكة المغربية .. وكذلك ابنه البطل المجاهد الكبير شيخ احمد الهيبة . والشيخ / عمر تال الفوتي المجاهد الكبير ( وهو أحد مشايخ التجانية الكبار ) .. وساموري توري، الذي أفزع الفرنسيين ، وقض مضاجعهم ، وقاتلهم في أكثر من مكان ... وسيد محمد الفردي ، ( وهو قادري ، وأحد أحفاد الشيخ سيد المختار الكنتي الفهري ) وابنه / سيد أحمد البكاي الذي تصدى للغزاة الفرنسيين إبان اقتحامهم لمدينة تمبكتو التاريخية ، وأوقع في صفوفهم خسائر فادحة قبل أن تجبره الآلة العسكرية الفرنسية المتطورة على الإنسحاب ، وقد استشهد في الميدان ثلة من رفاقه البواسل ، ومن بينهم ابنه البكر : سيد أحمد البكاي - المذكور آنفا - وقد مثل به الفرنسيون بعد استشهاده على أبواب المدينة دفاعا عنها وقطعوا رأسه عن هامته وعلقوه على مدخل المدينة لعدة أيام عبرة لمن يعتبر . إذن في الختام يمكن القول أن هؤلاء - وغيرهم كثير- كانوا غيضا من فيض، جاهدوا في الله حق جهاده - ولنزكي على الله أحدا - في كل الميادين ؛ في التعليم والتربية ، والتأليف ، وألفوا مئات الآلاف من الكتب في كل حقول العلم والمعرفة ، ويشهد بذلك ما تزخر به مكتبات المنطقة من مخطوطات تجاوز مليونيْ مخطوط فقط في منطقة ثنية نهر النيجر( تمبكتو .. وقاوه .. وجني .. ومنطقة كيدال ) . وجاهدوا في ميدان الإقتصاد والتجارة فقد كانت المنطقة في عهدهم عامرة والتجارة فيها رائجة .. والناس يعيشون في رغد من العيش والهناء .. وجاهدوا في ميدان الإصلاح الإجتماعي ، والديني ... وكذلك جاهدوا في الميدان العسكري عندما استدعى الأمر ذلك - كما استعرضنا آنفا - ودخل عليهم الغزاة في ديارهم .. وقد تعمدت إراد الأسماء حتى أعطي فرصة لمن أراد أن يستدرك .. أو يصحح معلومة .. أو يدلي بملاحظة مفيدة للتاريخ .

ليست هناك تعليقات: