08 أبريل 2017

ماء العينين زنزانتي لا تخيفني لأنها جزء من وطني

كواليس صحراوية / بقلم : أسامة عبد الرحيم بجسده النحيل الذي أكل منه الشأن العام ويصارعه المرض أمسك القاضي ماء العينين ماء العينين بالقلم وكتب وهو في خلوة الزنزانة مع الله هذه الكلمات: “ أعلن لعائلتي قبيلة الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل خاصة، ولقبيلة وزاوية جدنا الأكبر الشيخ محمد فاضل بن مامين، وكذلك الإخوة والأخوات في سائر المناطق الوطنية، الذين أعتزّ بتعاطفهم معي وانشغالهم الكبير بما ستؤول إليه الأمور، ما يلي”. وتابع مسترسلا: “إن الشعار الذي حملته منذ الوهلة الأولى، هو أنّ الوطن عندي لا يعلو عليه بعد الله عز وجل إلا الوطن، وأنّ الوحدة الوطنية التي ضحى من أجلها الآباء والأجداد تبقى عندي فوق كل اعتبار”، قبل أن يختم: “إنها المبادئ التي لا أساوِمُ بها ولا أساوَمُ عليها أو أسترزق منها وأتاجر بها”. يقيناً أن القاضي ماء العينين سيتغمده الله بواسع رحمته وفرجه، مثلما فرج عن موسي عليه السلام ويوسف ويونس، لأن الحق والعدل من أسماء الله تعالى وصفاته وهو وحده سبحانه وتعالى يدافع عن الذين آمنوا، ولكنه سيظل بعد هذه المحنة رمزاً للصمود وباقيًا في قلوب عشاق القيم النبيلة والأخلاق الرفيعة. لم يكن والدي ماء العينين، واسمحوا لي أن أتشرف بالقول “والدي” مجازاً، رغم أنني مصري والرجل من أهل المغرب إلا أن الله تكرم علينا بشرف الدفاع عن أهل الحق أينما كانوا ومهما اختلفنا في الجنسية بل والدين، أقول أن القاضي ماء العينين لمن عرفه عن قرب كان قدوة ورائد في ضبط بوصلة العدالة، وكان مدرسة نهل المحامون ورجال القانون من رحابها الوارفة الحكمة والعدل وصلابة المواقف في الحق، وكان ولا يزال معلمًا من طراز فريد، وهبه الله الهيبة ولكنه يأخذ الناس باللين والحسنى. في أسلوبه التربوي لم القاضي ماء العينين يكن يوجه أبناءه وحتى المقربين منه بالنصح المباشر والقول الجارح، وإنما يستخدم الأمثال والمجاز والحكمة في التوجيه، وعلى ذات النهج النبوي في التربية بالقدوة والموعظة الحسنة كان يترك للآخرين حقهم من الحرية ليربوا في أنفسهم القيم والسلوكيات المحمودة ولا يأخذهم بالشدة. كان ولا يزال عزيز النفس على كرٍم، فرغم قربه من ولاة الأمر، وإخلاصه لهم ومحبتهم فيه، لم يطلب فوق ما يستحق، ولكنه يسعى إليهم حثيثًا لقضاء حوائج الآخرين، وهم، كما اعتاد، لا يردون له طلبًا. كنت أسأل نفسي: من أين يستمد القاضي ماء العينين كل هذا الشموخ؟، وكنت أعجب كيف استطاع القاضي ماء العينين أن يجمع كل هذه الصفات في شخصه؟ الآن وقد وقف شامخاً في هذه المحنة التي تخرّ منها الجبال، أستطيع أن أفهم أنه نجح في ذلك لأنه كان يتقي الله في سره وفي علنه، وكانت المسافة بين قلبه ولسانه أقرب ما تكون، لم يداهن، ولم يضطر لأن يخاف الناس، ولذا كان يفعل الخير ولا ينتظر ثناءً من أحد، ولم يكن أحد يعرف ما يقدم القاضي ماء العينين للناس إلا منهم، لأنه لا يريد ولا يحب أن يعرف الناس، كانت ولا تزال عيناه دائماً على الله لا على عباده جّل وعلا. لذا كان حين يخبر الناس أبنائه بما فعل من أجلهم، لا يسألونه ولا يجعلونه يشعر بأنهم على علم، لأنهم كانوا يعرفون أن ذلك يسوءه ويعكره، رغم أنه لم يكن يتعامل معهم بردة الفعل الحادة! لقد غرس القاضي ماء العينين في أبنائه ومريديه وطلابه وأحبابه بأن قيمة الإنسان ليست في ما يملك من مال أو ملبس أو سيارة، وإنما قيمة الإنسان في ذاته وفي عمله، وكان يردد على مسامع الجميع مقولته تلك التي صارت منذ ذلك الوقت شعارًا، حاول غرسه في وجدان أبنائه وأحفاده مبدأ سلوكيًا ” الوطن عندي لا يعلو عليه بعد الله عز وجل إلا الوطن”. ثم وهو في غيابة الظلم يناشد محبيه ألا يحملهم الغضب الابتعاد عما من شأنه التشويش على المبادئ والأهداف التي يؤمن بها والتي ضحى من أجلها الأسلاف، وعلى رأسها التشبث بالوطن وبوحدته الترابية وبالمؤسسة الملكية التي بايعها الآباء والأجداد. وبعد إن ثقته في الله كبيرة ورضائه بقضائه لا حد له، وهو على ثقة أيضا بأن الأمل بعد الله سبحانه وتعالى معقود على جلالة الملك أيده الله كما كان دائما ديدنه مع المظلومين، حتي زنزانته لا تخيفه لأنها جزء من وطنه الغالي. أسامة عبد الرحيم : كاتب مصري --------------------------------------------------- نعتذر عن ورود هذا النبأ سابقاعلي موقع شيخنا محمد فاضل بطريقه تخللها خطأ فني

ليست هناك تعليقات: